فُزتُ وربِّ الكعبة: صرخة النصر في محراب شهادة أبي اليتامى

2026-03-11
48

IFN
بقلم: رحيم زاير العتابي

تستعيد الأمة الإسلامية في كل عام ذكرى رحيل واحدة من أعظم الشخصيات في التاريخ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي ارتبط اسمه بالعدل والشجاعة والعلم والزهد، حتى غدا نموذجًا فريدًا للقيادة التي جمعت بين قوة المبدأ وإنسانية التعامل مع الناس. لم تكن حياته مجرد سيرة تاريخية، بل مدرسة متكاملة في الفكر والإيمان والقيادة ما زالت آثارها حاضرة في وجدان المسلمين والإنسانية.
نشأ الإمام علي في بيت النبوة وترعرع في كنف النبي محمد صلى الله عليه وآله، فكان أول من آمن به من الفتيان، ورافقه في مسيرة الدعوة الإسلامية مدافعًا عنها بإيمان راسخ. جمع بين العلم والشجاعة والبلاغة، فأصبح مرجعًا في القضاء والحكمة ورمزًا للثبات على الحق.
برزت مكانته في ميادين القتال والإدارة والحكم، فكان أسد الله الغالب الذي حضر في مفاصل تاريخ الإسلام، وقائدًا يضع العدالة فوق كل اعتبار. وقد سعى إلى إقامة دولة تقوم على المساواة والإنصاف، ينظر فيها إلى الناس نظرة إنسانية متكافئة بعيدًا عن التمييز أو المحاباة.
وفي تعامله مع الرعية تجلت إنسانيته بوضوح، إذ كان قريبًا من الناس، يسمع شكواهم ويقضي حوائجهم، مؤمنًا بأن العدل أساس استقرار المجتمعات. غير أن هذه القيم واجهت تحديات كبيرة في زمن كثرت فيه الفتن والصراعات، فوقف الإمام علي ثابتًا على مبادئه، رافضًا المساومة على الحق أو التنازل عن القيم التي آمن بها.
وفي إحدى ليالي شهر رمضان المبارك، وبينما كان قائمًا في محراب الصلاة في مسجد الكوفة، تعرّض لضربة الغدر التي أنهت حياته بعد مسيرة حافلة بالعطاء. ومع ذلك، تحولت لحظة الألم إلى إعلان انتصار روحي حين قال كلمته الخالدة: “فُزتُ وربِّ الكعبة”، مؤكدًا أن الشهادة في سبيل الحق هي الفوز الحقيقي.
حتى في لحظاته الأخيرة بقي متمسكًا بالعدل، إذ أوصى بأن يكون القصاص من قاتله ضربة بضربة دون تجاوز، في موقف يجسد سمو أخلاقه وعمق إيمانه بالإنصاف.
لقد شكّل رحيله لحظة فارقة في تاريخ الأمة الإسلامية، فقدت فيها قائدًا استثنائيًا جمع بين الحكمة والشجاعة والنزاهة. ومع ذلك بقيت سيرته منارة للأجيال ومصدر إلهام لكل من يسعى إلى العدل والإنصاف.
إن استحضار سيرة الإمام علي اليوم يحمل رسالة واضحة لواقع الأمة، مفادها أن قوة المجتمعات تكمن في تماسك شعوبها وتعاون بلدانها وتكامل مؤسساتها. فالقيم التي جسدها من عدالة وتراحم وتمسك بالمبادئ تدعو إلى ترسيخ التضامن بين شعوب العالمين العربي والإسلامي، والعمل المشترك لحماية مصالح الأمة وصيانة استقرارها.
كما تفرض هذه المرحلة تعزيز التلاحم والتعاون في مواجهة التحديات التي تستهدف الهوية والقيم، مع ترسيخ ثقافة السلام القائم على العدالة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن الهيمنة والأطماع. فالأمة التي تتمسك بقيمها وتاريخها قادرة على حماية هويتها وبناء مستقبلها بثقة.
وهكذا تبقى كلمات الإمام علي الخالدة “فُزتُ وربِّ الكعبة” تعبيرًا عن انتصار القيم على الظلم، وعن خلود المبدأ في مواجهة الفتن، لتظل سيرته منارة تهدي الأجيال وتؤكد أن طريق الحق، مهما طال، يقود في النهاية إلى النصر.

اترك تعليقاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان