الاستخدام العدائي لتقنيات التغيير المناخي

IFN
بقلم :صاحب العنزي
إن الفكرة الأساسية التي تقوم على توظيف تقنيات مصممة أصلًا لمواجهة تغيّر المناخ مثل تعديل الإشعاع الشمسي أو تلقيح السحب بطريقة تُلحق الضرر بدول أو مناطق معينة. بدلًا من تخفيف آثار المناخ،حيث يمكن توجيه هذه التقنيات لإحداث اضطرابات بيئية
في زمنٍ لم تعد فيه الحروب تُخاض فقط بالرصاص والصواريخ، يبرز وجهٌ أكثر خفاءً وخطورة يتمثل في توظيف الطبيعة نفسها كسلاح.
إذ لم يعد الحديث عن “التغيير المناخي” مقتصرًا على كونه أزمة بيئية تهدد البشرية، بل بدأ يتسلل إلى نطاقٍ آخر أكثر قتامة، يتمثل في الاستخدام العدائي لتقنيات التلاعب بالمناخ، حيث تتحول أدوات يفترض أن تُنقذ العالم إلى وسائل ضغطٍ وإضرارٍ جيوسياسي.
هذا الطرح لم يعد مجرد خيالٍ علمي. فالتاريخ الحديث يقدّم لنا سابقة واضحة خلال حرب فيتنام، حين استخدمت الولايات المتحدة برنامجًا عُرف باسم “عملية بوباي” والذي كان يهدف إلى تلقيح السحب لإطالة موسم الأمطار وإغراق طرق الإمداد، مما أدى إلى تعطيل حركة القوات الفيتنامية. هذه الحادثة كشفت مبكرًا أن التحكم بالعوامل المناخية يمكن أن يُستغل عسكريًا، ولو بوسائل بدائية مقارنةً بما هو متاح اليوم.
على إثر هذه المخاوف، وُقّعت اتفاقية دولية عام 1976 عُرفت باسم اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير البيئي لأغراض عسكرية أو عدائية وشاركت فيها كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (روسيا حاليًا)، بهدف وضع حدٍ لاستخدام البيئة كسلاح. نصّت الاتفاقية على حظر أي تدخل متعمد في العمليات الطبيعية للأرض إذا كان له “آثار واسعة النطاق أو طويلة الأمد أو شديدة”. غير أن هذه الاتفاقية، رغم أهميتها، وُلدت في سياق تكنولوجي محدود، ولم تكن قادرة على استشراف القفزات الهائلة في تقنيات الهندسة المناخية التي نشهدها اليوم.
اليوم، ومع تطور تقنيات مثل تلقيح السحب، وإدارة الإشعاع الشمسي، والتدخل في دورات الكربون، لم يعد السؤال: هل يمكن استخدام المناخ كسلاح؟ بل: إلى أي مدى يمكن التحكم به دون أن يُكتشف أو يُحاسب الفاعل؟ إن القدرة على إحداث جفاف في منطقة زراعية، أو التسبب بأمطار غزيرة تؤدي إلى فيضانات، أو حتى تعديل أنماط الطقس بشكل يضر باقتصاد دولة ما، لم تعد بعيدة عن الإمكان التقني، خصوصًا لدى الدول المتقدمة.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في الفعل ذاته، بل في طبيعته المراوغة. فالكوارث المناخية بطبيعتها يصعب نسبها إلى فعل بشري متعمد، مما يفتح الباب أمام استخدام هذه الوسائل دون إعلان حرب، ودون تحمل المسؤولية. إنها حرب “صامتة”، تُخاض عبر الغيوم والتيارات والحرارة، وتترك آثارها على الشعوب دون أن ترى لها طائرات أو دبابات.
من زاوية أخرى، يثير هذا الملف إشكالية أخلاقية عميقة. فالتقنيات ذاتها التي تُطرح اليوم كحلول لإنقاذ الكوكب من الاحتباس الحراري، تحمل في طياتها قابلية الانحراف نحو الاستخدام العدائي. وهنا يكمن التناقض: هل يمكن الوثوق بمن يملك القدرة على تعديل المناخ أن يستخدمها فقط للخير؟ أم أن منطق القوة سيعيد إنتاج نفسه، ولكن هذه المرة عبر الطبيعة؟
إن الإصرار على أن هذا الاستخدام لا يزال “نظريًا” فقط، قد يكون تبسيطًا مريحًا أكثر من كونه توصيفًا دقيقًا. فالمؤشرات التاريخية، والتطور التقني، وطبيعة الصراع الدولي، كلها تدفع باتجاه الاعتراف بأن الاستخدام العدائي لتقنيات التغيير المناخي ليس مجرد احتمال بعيد، بل خيار قائم في حسابات القوى الكبرى، حتى وإن ظل في الظل.
في المحصلة، نحن أمام تحول نوعي في مفهوم الصراع: من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على شروط الحياة نفسها. وبينما تتسارع الابتكارات في مجال الهندسة المناخية، يبقى الإطار القانوني والأخلاقي عاجزًا عن مواكبتها. وهذا الخلل لا يهدد فقط بتصعيد النزاعات، بل بإدخال العالم في مرحلة جديدة من الحروب غير المرئية،
