مواسم التقرّب مع كل تغيير… وجوه تتبدّل وخطابات تُعاد صياغتها

2026-05-03
12

IFN-مقالات

بقلم ر.التحرير :رحيم الزاير

ما إن تُعلن تغييرات في المناصب أو تتبدل مواقع المسؤولية، حتى تبدأ ملامح مشهد مألوف بالظهور من جديد؛ وجوه تتبدل مواقفها بسرعة، وأصوات ترتفع فجأة في مساحات الإعلام ومنصات التواصل، تحمل خطابًا جديدًا يتماهى مع المرحلة ويغازل أصحاب النفوذ المستجدين.

خلال أيام قليلة فقط من أي تغيير، تتسارع بعض الأقلام والصفحات والبرامج نحو إعادة تموضعها، وكأنها تدخل سباقًا محمومًا لحجز مقعد في دائرة الرضا، فتتحول المنصات إلى ساحات مفتوحة للترويج والتلميع، بعيدًا عن المهنية أو المعايير الموضوعية.

المشكلة لا تكمن في نقل الإنجازات أو تسليط الضوء على القرارات الإيجابية، فذلك جزء أصيل من العمل الإعلامي، بل في تحوّل بعض المنابر إلى أدوات للتقرب والانتهازية، حيث يصبح الخطاب مرهونًا بالمصلحة، وتُقاس المواقف بحجم المكاسب المنتظرة.

هذا السلوك يعكس أزمة أعمق في البيئة الإعلامية، تتجسد في تصاعد ظاهرة الارتزاق المهني، التي لم تعد حالات فردية معزولة، بل تحولت لدى البعض إلى نهج ثابت قائم على تبديل الولاءات وفق اتجاه الريح السياسية أو الإدارية.

وفي بلد يضم عشرات المؤسسات الإعلامية ومئات المنصات الرقمية، كان يُفترض أن يكون الإعلام سلطة رقابية مستقلة، غير أن جزءًا من هذا المشهد انجرف إلى منطق السوق المفتوحة، حيث تُباع الكلمات وتُشترى المواقف، وتُدار الحملات وفق المصالح لا وفق الحقائق.

المفارقة أن هذه الظاهرة تتكرر مع كل مرحلة جديدة؛ فكل مسؤول قادم يجد من يحيط به سريعًا بخطابات الإشادة المفرطة، قبل أن تتغير النبرة نفسها عند أول تحول في موازين النفوذ. إنها دورة مستمرة من المديح المؤقت، لا تعكس قناعة حقيقية، بل حسابات نفعية بحتة.

هذه الممارسات ليست جديدة على الواقع العراقي، بل تمتد جذورها إلى عقود طويلة، إلا أنها اتخذت في السنوات الأخيرة أشكالًا أكثر اتساعًا وتنظيمًا، مدفوعة بانتشار الإعلام الرقمي وسهولة الوصول إلى الجمهور.

ومع كل موجة جديدة من هذا النوع، تتراجع ثقة الناس بالإعلام، وتتضرر صورة المهنة التي يفترض أن تقوم على الاستقلالية والنزاهة. فحين تتحول الكلمة إلى وسيلة للتقرب لا أداة للمساءلة، يصبح الخاسر الأكبر هو الوعي العام.

إن المرحلة الحالية تتطلب فرزًا واضحًا بين الإعلام المهني والإعلام المصلحي، وبين النقد المسؤول والمديح المدفوع، لأن بناء الثقة يبدأ من استعادة قيمة الكلمة الحرة، وإبعادها عن حسابات الولاء والانتفاع.

التصنيفات : آراء حرة | مقالات

اترك تعليقاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان