مقبرة آهلة

العراق الحر نيوز
بقلم :الشيخ محسن العايدي
زرت مدينة قضاء الحي لم ادخل الى ازقتها الفرعية , انما اقتصرت على بعض شوارعها الرئيسية , ذهاباً وإياباً لمنزل صديقي, ادهشني ما رأيت , وكأني في مقبرة وادي السلام في النجف الأشرف , لكثرة صور الشهداء , بمختلف الاعمار , كهولا وشباناً وصغاراً لم يبلغوا سن الرشد ليتلقفهم الحتف من حجور امهاتهم .
شباب بعمر الورود , لا أعرف اسماء اغلبهم , لكني اعرف وآلف وجوههم , لأكثر من مرة يلقوْن التحية عليَّ في سوق الحي الكبير , تفاجأت اليوم بأنهم قد سكنوا القبور , امعنت النظر في عيونهم التي تحكي مأساة ما خلفّوا , عدد كبير من الامهات الثكالى , وأيتام لم يذوقوا بعد حنان الابوة , والفتيات الارامل .
يالقلب الأمهات المفجوع , وهي تنظر لصور فلذات اكبادها , قد طحنهم الموت المحتوم , تنظر الليالي الطوال وظلامها الحالك الذي ساهرته جنب ابنها وهي تعد تلك الليالي لحظة تلو اخرى , لترى طوله الممشوق , وتبني في مخيلتها يوم سعدها يوم تزف وليدها على عروسه المخدرة , فتنفض غبار سنوات من التعب والعناء , فيؤتى لها بجثة هامدة , غيّر الموت ملامح ما رسمته وتمنته .
رباه انا في زمن ازدهرت به تجارة الموت , وبيع الاكفان , وحفر القبور , كُتِبت اسماؤنا في سجلات المقابر قبل سجلات النفوس , نزور المغتسل أكثر من المتنزهات والحدائق , ألفت اسماعنا صراخ الفراق وعويل اطفال لا ذنب لهم سوى انهم عاشوا في العراق , ليدفعوا اباءهم لدوامة الموت , اطفال مازالوا صغاراً لكن احلامهم اكبر منهم بسنوات, حلمهم ان يمسك بأيديهم ابوهم ويأخذهم في ليلة العيد كما عودهم ليتبضع لهم ما يحبذون , عيدية الاب تعادل اموال الدنيا لديهم , مازالوا يترنمون بكلمة { بابا .. بابا } كلما فُتِح بابُ دارِهم او أُغلِق , حتى وان حركته الريح فتحرق قلوب صغاراً لا يعرفون حتمية الموت وينتظرون وجه ابيهم الباسم في كل آن .
تلك عاشقة كان جل حلمها وامنيتها ان تحظى بفارس احلامها , تأخر زواجهما لأكثر من مرة , كان لشظف العيش , وازمة السكن القاتلة , سبباً في كل هذا , لكن الأمل موجود , وتحبس انفاسها شوقاً لتلك اللحظة التي انتظرتها بفارغ الصبر , تُمنّي نفسها بعد كل عناء بذلك اليوم السعيد , وبعد جهد جهيد تحقق ما كانوا يصبون اليه , جاء اليوم الذي تتمناه كل فتاة , يوم زفافها محاطة بالأهل والأقارب وكأنهم في نعيم الجنان , كان زوجها مقاتلاً شرسا من أبطال الحشد الشعبي، وكانت ايام التحاقه سنوات عجاف , كل ما مر يوم , تتنفس الصعداء , وتحسب ان حياة جديدة قد كُتِبت لزواجهم الوليد , تتواصل معه بمسجات الحب و الغزل , لم تمض على زفافها إلا القليل , فمازالت مساحيق زينة الزفاف على وجهها , حتى سمعت بنبأ الشهادة , لترى نفسها كأنها بيت خرب , فقدت احلام العذارى الواعدة , وتلاشت الصور الجميلة التي رسمتها لمستقبل زواجهما , واصبح كل شيء كأنه من أحلام اليقظة , ودخلت رقماً آخر في جيوش الارامل والمطلقات .
هذه قصة من آلاف القصص التي لم يرق للإعلام المضلل أن يظهرها
محسن ساجت العايدي

