عاشوراء… مواقف وبطولات وأرواح ارتقت نحو الخلود

2026-06-26
1

العراق الحر نيوز ( IFN )

بقلم: المستشار القانوني صاحب العنزي 

 

لا تمثل عاشوراء حدثاً تاريخياً عابراً ارتبط بزمان ومكان محددين، بل هي مدرسة إنسانية وأخلاقية متجددة، تجسدت فيها أسمى معاني التضحية والإيثار والثبات على المبادئ. ففي اليوم العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة، وقف الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه في مواجهة مشروع سياسي أراد مصادرة قيم الإسلام وتحويل الأمة إلى جماعة خاضعة لإرادة السلطة، فكانت كربلاء إعلاناً خالداً لانتصار المبدأ على القوة، والقيم على المصالح، والحق على الباطل.

 

لقد تجلت في عاشوراء مواقف بطولية استثنائية، كان محورها الأساس رفض الظلم والانحراف مهما بلغت التضحيات. فقد وقف الإمام الحسين (عليه السلام) موقف القائد الرسالي الذي أدرك طبيعة المرحلة وخطورة الانحراف الذي أصاب الأمة، فرفض المساومة أو الخضوع، وأعلن موقفه التاريخي الذي أصبح رمزاً للكرامة الإنسانية في كل العصور. ولم يكن موقفه مجرد رفض سياسي، بل مشروعاً إصلاحياً متكاملاً هدفه إعادة إحياء قيم العدالة والحرية وصيانة كرامة الإنسان.

 

ومن أبرز صور البطولة في يوم العاشر موقف أبي الفضل العباس (عليه السلام)، الذي جسّد أعلى درجات الإيثار والوفاء. فعندما اشتد العطش بأطفال المخيم ونسائه، اندفع نحو الفرات متحدياً الحصار المفروض على الماء، وتمكن من الوصول إليه بعد قتال شديد. وبينما كان الماء بين يديه، امتنع عن الشرب وهو يتذكر عطش الحسين وأهل بيته، ليقدم بذلك درساً خالداً في التضحية وتقديم الآخرين على النفس. ثم عاد حاملاً القربة نحو المخيم حتى استشهد في طريقه، لتبقى بطولته واحدة من أعظم مشاهد الفداء في التاريخ الإسلامي.

 

كما سطّر علي الأكبر (عليه السلام) صفحة مشرقة من صفحات الشجاعة الحسينية، إذ كان أول الهاشميين خروجاً إلى ساحة القتال. وقد أظهر من البسالة والإقدام ما أذهل خصومه، حتى استشهد بعد قتال مرير، فكان استشهاده من أشد المصائب التي نزلت بالإمام الحسين (عليه السلام)، لما يمثله من امتداد لرسالة النبوة خلقاً وسلوكاً وهيئة.

 

وفي السياق ذاته برزت بطولة القاسم بن الحسن (عليه السلام)، ذلك الفتى اليافع الذي لم تمنعه حداثة سنه من المشاركة في نصرة الحق. فقد استأذن عمه الإمام الحسين (عليه السلام) في القتال، وأظهر من العزم والثبات ما جعل اسمه مقترناً بالتضحية الواعية التي تتجاوز حدود العمر والسن.

 

أما أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد قدموا نموذجاً فريداً في الوفاء والإخلاص. ويكفي للدلالة على عظمة مواقفهم ما أظهروه ليلة العاشر حين أعلنوا تمسكهم بالحسين رغم علمهم بالمصير المحتوم. وقد تجسد هذا الوفاء في مواقف شخصيات بارزة مثل حبيب بن مظاهر الأسدي، ومسلم بن عوسجة، وزهير بن القين، وغيرهم من الأصحاب الذين قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة دفاعاً عن إمامهم ومبادئهم. لقد كانوا يدركون أنهم يواجهون جيشاً يفوقهم عدداً وعدة، لكنهم آمنوا بأن قيمة الموقف لا تقاس بنتيجته العسكرية، بل بمدى صدقه وانسجامه مع الحق.

 

ومن المواقف اللافتة في عاشوراء موقف جون مولى أبي ذر الغفاري، الذي رفض مغادرة المعسكر رغم أن الإمام الحسين (عليه السلام) أذن له بالانصراف، مؤكداً أن الوفاء يقتضي مشاركته في السراء والضراء. فقاتل ببسالة حتى استشهد، ليؤكد أن الانتماء إلى المبادئ يسمو على كل الاعتبارات العرقية والاجتماعية.

 

ولم تقتصر البطولات في كربلاء على الرجال الذين حملوا السيوف، بل تجلت أيضاً في المواقف الرسالية للمرأة الحسينية، وفي مقدمتها السيدة زينب (عليها السلام). فبعد انتهاء المعركة واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، تحملت مسؤولية حفظ أهداف الثورة وإيصال رسالتها إلى الأمة. وقد مثلت خطبها ومواقفها الشجاعة في الكوفة والشام امتداداً لنهضة الحسين، حتى قيل إن كربلاء انتصرت بسيف الحسين وبلاغة زينب.

 

إن المتأمل في أحداث عاشوراء يدرك أن سر خلودها لا يكمن في حجم المأساة فحسب، بل في عظمة المواقف التي تجلت فيها. فقد أثبت الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه أن الحق لا يُقاس بكثرة أتباعه، وأن الإنسان قادر على صناعة الخلود عندما يثبت على مبادئه مهما اشتدت المحن. ولهذا بقيت عاشوراء عبر القرون منارة للأحرار ومصدراً لإلهام المصلحين والثائرين على الظلم، ومثالاً حياً على أن الدم الزاكي قد ينتصر على السيف، وأن المبادئ الخالدة لا تموت مهما حاولت قوى الطغيان طمسها.

 

وهكذا تظل عاشوراء مدرسة متجددة في الشجاعة والوفاء والإيثار والكرامة الإنسانية، تستلهم منها الأجيال معاني التضحية من أجل الحق، وتتعلم منها أن المواقف العظيمة هي التي تصنع التاريخ وتمنح أصحابها الخلود في ضمير الإنسانية

التصنيفات : دين

اترك تعليقاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان