لماذا الحسين بالتحديد؟

وكالة العراق الحر نيوز
بقلم / زينب زكي غائب
أيام قليلة ونحيي أربعينية الامام الحسين ونرى الزوار المتدفقين سائرين على أقدامهم على قارعة الطرق باللباس الأسود محملين بدفء العشق الشيعي الحسيني وأعلام ملونة ترفرف، ومواكب تدعوك لتزود بالطعام والشراب، مستقبلين الزوار بشعارات غنيه باللهجة العراقية الأصيلة مثلا (تفضل يا زاير – مية هلابيك يزاير).
ملايين من الناس يقصدون الحسين في كربلاء المقدسة كل سنة من عدة محافظات وعدة دول رافعين رايات العراق وأخرى دينية تعبيراً عن الحزن بالرغم من مخاطر صحية كتفشي وباء كورونا ومخاطر أمنية محتملة إلا أن حب الحسين في القلوب لم يمنعهم من أداء الزيارة أو ممارسة هذه العادات التقاليدية القديمة (مواكب حسينية وشعائر)، وببساطة المشي خطوة واحدة لزيارة الحسين يكفي ان تشعر أنك في مأمن من فوضى العالم كله.
من هو الإمام الحسين عليه السلام؟ وماهي دلالة المشي على الأقدام؟
الإمام الحسين عليه السلام هو ثالث أئمة الشيعة الذي يقع ضريحه في محافظة كربلاء المقدسة في العراق وبجواره أخيه ابو الفضل العباس عليه السلام.
ويمتاز ضريح الإمام الحسين عليه السلام بجماله والذي يضم مسجداً مزوداً بالمئذنة الذهبية وأبواب وجدران مزخرفة بالنقشات الخلابة .
وفي المقام المقدس يوجد مدفن الإمام الحسين عليه السلام وابنه علي الأصغر عبد الله الرضيع عليه السلام ومدافن أصحابه السعداء وإن الله اكرمه بالشهادة وفضّله على جميع الشهداء و أكرمه بهذا المقام من بين الأئمة جمعاء عليهم السلام.
وإنّ للإمام الحسين عليه السلام القاب عديدة منها (سيد الشهداء، قتيل العبرات)
وكما نعلم وبدون اي شك ان الإمام عليه السلام كان يتسم بمكارم الأخلاق والوجه البشوش وكان الإمام عليه السلام أيضا يحب الفقراء ويحب مجالستهم واشتهر الإمام بالكرم والجود ويبغض الظلم والجور فلذلك نرى الإمام الحسين عليه السلام وقف في وجه الظلم والفساد وقد ضحى حياته وعائلته في سبيل عدم الرضوخ للظلم وإعلاء الحق والوقوف بوجه الظالمين وإحياء الحق والحرية.
وإنَّ قصّة الإمام الحسين عليه السلام ليست قصة عادية لنسردها وبعد ذلك تنتهي كباقي القصص بل جعلها الله سبحانه وتعالى كدرس للإنسانية جمعاء.
لم يمض 50 عاما على رحيل النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) حتى انتشر الفساد في مجتمع الأمّة الاسلامية الذي كان برئاسة يزيد من بني أمية (قاتل الحسين عليه السلام) الذي كان معروفا بالفسق والفجور والظلم فإنَّ يزيد استلم الحكم بعد أبيه، وبشخصيته المليئة بالحقد والاستهتار نحو القيم والأحكام الاسلامية، فكان سهلاً أن يعيث الظلم في كافة أرجاء الأمّة الإسلامية وخلال تسلُّمه للحكم أبدى البعض موقفهم من استلام يزيد للحكم فالكثير خنعوا لسلطته وحكمه خوفا منه.
ولكن التفكير السوي للشخص الرافض والمدرك لظلم السلطة لن يرضى الخضوع لحكم مستبد، قاهر للناس، ويسفك الدماء بلا تورّع.
وبعقلِ مستقيم فقد هدانا الله وميزنا بالعقل عن باقي الكائنات هل نرضى أن نخضع لحكم قاتل ومنتهك لحدود الله؟ فبالتأكيد لا!
* إذا ماذا كان موقف امام الحسين عليه السلام من الحاكم والظلم؟
اتخذ الامام الحسين عليه السلام موقفا تجاه حكم يزيد .
فماذا حصل اثناء تسلمه السلطة؟
كان امام الحسين عليه السلام بالفعل أمام موقف بين أن يبايع يزيد ويعيش حياة مترفة أو أن يرفض حكمه ويواجه الموت المحتم!
وبالتأكيد فإنَّ الإمام الحسين عليه السلام رفض الخنوع وأصبحت حياته تحت التهديد والخطر فلذلك قرر التحرك من المدينة إلى مكة في أمل أن يحترم بنو يزيد المكان المقدس ولكن لم يكن يزيد أي احترام للإمام ولا حتى لعائلته الطاهرين، لذلك بدأت عمليات الرصد والمؤامرة من قبل أعوان يزيد في الكوفة وذلك بإرسال رسائل للإمام الحسين عليه السلام من قبل أهل الكوفة يدعون فيها الإمام عليه السلام بالقدوم إلى الكوفة لمبايعته ولكن الكوفيين لم يكونوا صادقين ونكثوا لعهدهم في طاعة الإمام ومحاولة ابن زياد ( الوالي على الكوفة ) بمنع الحسين عليه السلام من القدوم إلى الكوفة، وكان الإمام عليه السلام لازال في الطريق وحوصر من قبل جيوش الأعداء بقيادة عمر ابن سعد الذي كان مدعوماً بألف فارس، هذه كانت بمثابة الإعلان عن الحرب، وفعلاً وقعت الواقعة في كربلاء ودارت الحرب بين الإمام الحسين عليه السلام الذي كان مدعوما ب 72 رجلا فقط وأسفرت هذه المعركة بمقتل الإمام عليه السلام.
قُتل إمام الحسين عليه السلام مع أصحابه في سبيل عدم الخنوع والخضوع لحكم الطاغية والتمسك بالمبادئ بالرغم من طلب يزيد بن المعاوية بالولاء له إلا ان الإمام بقي صامداً في موقفه بالرفض.
هذه المفاجآت الغير سارة كانت متوقعة من شخص مثل يزيد ومن أعوانه الأعداء للإمام عليه السلام وقد أثاروا الفزع والخوف في قلوب الناس ومن بعد ذلك توالت الحركات المناهضة.
وإنَّ الإمام الحسين عليه السلام كان الهدف من خروجه هو طلب الإصلاح كما قال الإمام في خطبته (إنَّما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وبعد مقتل الإمام عليه السلام تم أسر النساء والأطفال ومن ضمنهم أخت الإمام الحسين عليه السلام (زينب الكبرى عليها السلام) التي ألقت خطبتها الشهيرة التي تدين أفعال يزيد وهي كانت أول شخص تأثرت بفعل يزيد مما فعله بأخيها ووضعت الخوف جانباً لتواجه الدكتاتور والإطاحة بالدولة الأموية.
فالإمام عليه السلام خرج لطلب الإصلاح و إزاحة بطش الدولة الأموية ومن وحشيتهم المتوالية واحدة تلو الأخرى والوقوف بوجه حاكم سلطوي ووقف الظلم والاستبداد نصرتاً للعدل على الجور ونشر نور الهداية والدعوة الى الدين ومبادئ الرسول محمد (ص) وإن المعركة التي دارت بين الإمام عليه السلام والأعداء حتى وإن كانت غير متكافئة فهي عادلة لارتباطها بأصول ومبادئ إلهية ، فرسالة الإمام الحسين عليه السلام كانت مستمدة ديمومتها من العقيدة السماوية وكما نعلم أنَّ الرسالات السماوية جاءت لتنقل الإنسان من عهد العبودية والظلم الى عهد الحرية والكرامة والقيم الانسانية فلذلك ضحى الإمام الحسين عليه السلام بحياته في سبيل هذه القيمة لأن الإمام الحسين عليه السلام لم يرضى بالأوضاع التي انتشرت آنذاك من انحلال أخلاقي وانتشار الفساد وإنَّ ثوره الحسين عليه السلام كانت ثورة التغيير الى الأهداف النبيلة و زعزعة السلطة الاموية التي كانت غارقة في الانحلال والضلال بسبب الاستهتار آنذاك.
فالثورة الحسينية كانت ثورة تصرخ من أجل الامتثال بأوامر إلهية وقلبت كل الموازين رأساً على عقب لأنها لم تكن ثورة خسارة بل انتشر النور بعد هذه الثورة لتبقى شامخةً في قلوب ملايين من الناس ممن يريدون العيش على أسس العدالة الاجتماعية.
______________________
دلالة المشي الى الحسين عليه السلام؟
كما نعلم أنَّ زيارة الأربعين هي الخالدة رغم كل المعوقات وزيارة الأربعين هي احياء لثورة الحسين عليه السلام واحياء للرسالة السماوية الإلهية وتأكيد الولاء للإمام (عليه السلام) وقدوم الزوار والمحبين من كل حدب وصوب وتوجههم نحو كربلاء ماهي إلا مواساةً وإحياءً واسترجاعاً لذكرى أليمة وهي بعد مقتل الحسين عليه السلام تم أخذ أسرى من اطفال ونساء إلى الشام والمشي ما هو الا تمثيلا لذلك الموقف المضطهد.
فترى قبل أيام قليلة من زيارة الأربعين جموع من الناس متدفقين من جميع المحافظات العراقية وكثير من البلدان العربية و غير العربية يمشون في هذه الطريق الطويل المؤدي الى محافظة كربلاء المقدسة , وبعض الأحيان هذه الطرقات تكون خطرة نوعاً ما بسبب الأماكن النائية أو أحيانا الحيوانات البرية السائبة , إلا أنَّ النّاس بشرائح معينة و بومضة عين متدافعين بحماس شديد تاركين الخوف وراؤهم و بعفوية شديدة وإيماناً وولاءً منهم أنَّ السير إلى الحسين عليه السلام في مثل هذه الظروف ستكون بحماية إلهية دائماً علاوة عن حماية دنيوية من قبل القوات الأمنية ولاسيما أن الأخرى تقدم ما بوسعها لتسهيل حركات الزائرين.
فالجميع في زيارة الأربعين يتكاتف فلا فرق بين الغني أو الفقير، الطفل أو الهرم، فالجميع في جو روحاني، فالكل بعقيدته وبإيمانه يحمل نذوره ودعائه بين طياته قاصداً ذلك الإمام عليه السلام الذي ضحى بحياته في سبيل هذه الأمّة.
_______________________________________________
الكرم الحسيني في المواكب:
أود أن أعبر عن اعجابي في هذه النفطة إلى الكرم الذي رأيته في المواكب الحسينية وكرم الحسنيين المخلصين وكرم العراقيين على وجه الخصوص، هو في الحقيقة يجب أن نسميه العطاء أكثر مما يكون الكرم، لأن العطاء أوسع نطاقا من الكرم، فلم أرى مثل هذا الكرم في اي دولة أخرى ولم يشهد بمثل هذا الكرم أي أحد ولن يقدر أحد أن يصل لهذه المرحلة من الكرم والسخاء، حتى أنَّ اليونسكو أدرج هذا السخاء والكرم ضمن لائحته، وكيف لا وإمامنا هو الحسين عليه السلام الذي كان يتمتع بإحدى الخصال الا وهو الكرم والجود والإيثار.
ففي زيارة الأربعين إنَّ ما يقوم به العراقيون استعدادا لخدمة الزائرين والسائرين نحو كربلاء المقدسة فمنهم من ينصب خيمة صغيرة لتقديم المشروبات والمأكولات ومنهم من يفتح داره لاستقبال الزوار لأخذ بعض الراحة من المسير لمسافات طويلة ومنهم من يقوم بالطبخ بكميات كبيرة لتوزيع الزاد للجميع وهذا بحد ذاته عطاء وإنَّ ما يدفعهم لذلك هو حب عميق لصاحب هذه المناسبة _الإمام الحسين عليه السلام_ من وفير وسائل الراحة ومواد غذائية لمحبيه وما الى ذلك من الروح الكريمة السخية.
كرم وعطاء لا يضاهيه أي كرم ولن تجد مثله مهما تجولت حول العالم ومهما ذهبت الى أقصى العالم.
وبالإضافة الى هذا كله وجود مضايف وطاولات بسيطة أو بالأحرى ما يسمى باللهجة العراقية (تكية) في محطات الوقوف لتقديم مأكولات وأشربة للزائرين على طول الطريق الطويل المؤدي إلى ضريح الحسين و أخيه أبا الفضل عليهما السلام، وبالإضافة لذلك يوجد أيضاً وسائل النقل للمتعبين من المسير بمسافات طويلة مثل أحصنة ودراجات وغيرها من وسائل النقل أو حتى وجود أشخاص يحملون الزائرين على ظهورهم تبرّكاً بهم فقد أحبوهم حبّاً بالحسين عليه السلام، وبالتأكيد لا أحد يستطيع التمتع بهذه الصفات إلا القليل ممن يعشقون الحسين عليه السلام، فهذه الآداب والأخلاق الحسينية تجدها ممن نذر حياته في سبيل نيل رضا الله و رضا الحسين عليه السلام.
فهذه المبادرات باتت مألوفة لدى الشعب العراقي وخصوصاً بتنا نرى الكثير من الناس يبادرون إلى تقديم خدمات متنوعة، كلٌّ على حسب مقدرته المادية وكل عائلة تقدم ما هو متوفر وما هو متواجد لتقديمه للزائر من نقطة انطلاقه الى نقطة عودته
ولا بد من الذكر أنَّه ما استخلصناه من الكرم الحسيني نموذج من تعليم وتكريس صفة الكرم والبذل لدى الشعوب وتقديم خدمات ومساعدات مهما كانت الظروف الاقتصادية والصحية وغير عابئين لأي ذلك، كما والتعاون وحب الخير للآخرين وترك كل ما يربط الإنسان في هذه الدنيا والمسارعة إلى تطبيق تلك المبادئ الإنسانية الإلهية التي من خلالها نرتقي بإنسانيتنا وفي النهاية لأشيء سوى الاعمال الصالحة.
ومهما بذلنا لأبا عبد الله الحسين عليه السلام سيبقى قليلا أمام تضحياته، فكل الفخر والاعتزاز لمن خدم ولايزال يخدم في المواكب الحسينية وسيبقى هذا السخاء يغيض بالأعداء على مر الدهر.
__________________________
