ضجيج التصريحات… وصمت الحلول في العراق

2026-03-17
51

IFN-بغداد

رحيم العتابي

لم يعد المشهد السياسي في العراق بحاجة إلى كثير من التحليل، فملامحه باتت واضحة ومتكررة إلى حد الإرباك.
استنكارات جاهزة، تنديدات متلاحقة، تهديدات للاستهلاك الإعلامي، وتصريحات تتكاثر دون أن تترك أثرًا ملموسًا في واقع يزداد تعقيدًا يومًا بعد آخر.
في المقابل، تتوالى الأخبار المؤلمة تحديات وتداعيات  وخرب ودمار في المنطقة  واستهدفات وضربات تنال من الموسسات  والمصالح والمقار  وجميع جوانب بنية  البلد وحتى المناطق المدنية  المساكن وتعقبها وقوع  شهداء وجرحى بين صفوف الاجهزة الامنية والحشد ومواطنين مارة  وغيرهم ، وتتسع دائرة الأعباء المعيشية مع استمرار ارتفاع الأسعار وفرض الضرائب، في وقت ينتظر فيه المواطن حلولًا حقيقية تخفف من وطأة هذه الضغوط المتراكمة.

داخل أروقة السلطة، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا؛ حيث تنشغل بعض القوى السياسية بخلافات لا تنتهي حول تشكيل الحكومات وتقاسم المناصب، وتتحول جلسات يفترض أن تكون مخصصة لمعالجة قضايا الناس إلى ساحات للتجاذب والصراع، بعيدًا عن أولويات الشارع واحتياجاته الملحّة.

الأكثر إثارة للقلق أن الاجتماعات السياسية، على كثرتها، لا تعكس حراكًا جادًا نحو المعالجة، بقدر ما تكرّس حالة الدوران في حلقة مغلقة، تُعاد فيها ذات الملفات دون تقدم يُذكر. وفي ظل هذا الجمود، تتعمق الفجوة بين المواطن وصانع القرار، وتتآكل الثقة التي تُعد أساس أي نظام سياسي مستقر.

هذا الواقع لا يمكن قراءته على أنه مجرد تعثر عابر، بل هو مؤشر على خلل بنيوي في آليات العمل السياسي، حيث تغيب الأولويات الوطنية لصالح الحسابات الضيقة، وتتراجع لغة المسؤولية أمام ضجيج الخطاب الإعلامي.
وفي الوقت الذي تتمتع فيه الطبقة السياسية بامتيازات واسعة ومستوى معيشي مرتفع، يجد المواطن نفسه في مواجهة تحديات يومية تتعلق بأبسط مقومات العيش الكريم، ما يخلق مفارقة قاسية تعمّق الإحساس بعدم العدالة.
العراق اليوم لا يفتقر إلى التصريحات أو المواقف المعلنة، بل يفتقر إلى إرادة حقيقية تُترجم الأقوال إلى أفعال، وتضع مصلحة البلاد فوق أي اعتبار آخر. فالأزمات المتراكمة لم تعد تحتمل التأجيل، والمعالجات الشكلية لم تعد تقنع الشارع الذي بات أكثر وعيًا وقدرة على تشخيص الخلل.

إن استعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة تتطلب تحولًا جادًا في الأداء، يبدأ بتغليب المصلحة العامة، واعتماد الشفافية، وتقديم حلول عملية قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن الخطابات التقليدية التي استهلكها الواقع.
ويبقى السؤال الأهم:
إلى متى يستمر هذا الفاصل بين الكلام والفعل؟
ومتى تتحول الإرادة السياسية من دائرة التصريحات إلى ميدان الإنجاز؟

التصنيفات : امنية | مقالات

اترك تعليقاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان