أصحاب الكراسي… بين وعود الوصول ومسؤولية البقاء

2026-02-19
79

قراءة في أزمة التواصل وفقدان الثقة

IFN

بقلم: رحيم زاير العتابي

في كل دورة انتخابية يتكرر المشهد ذاته؛ حراك واسع، خطابات مفعمة بالوعود، لقاءات مفتوحة، هواتف لا تهدأ، وبيوت ومقرات تستقبل الجميع بلا حواجز. غير أن الصورة سرعان ما تتغير عقب الوصول إلى المنصب، وكأن الكرسي يُبدّل الأولويات ويعيد ترتيب المسافات بين المسؤول والمجتمع.

هذه المفارقة لم تعد استثناءً، بل تحولت إلى ظاهرة أثّرت في طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأسهمت في اتساع فجوة الثقة التي يعاني منها المشهد العام منذ أكثر من عقدين.

الكرسي تكليف لا امتياز

المنصب في جوهره تكليف دستوري وأخلاقي، يستمد شرعيته من أصوات الناس. الناخب حين يضع ورقته في صندوق الاقتراع لا يمنح تفويضاً مطلقاً، بل يمنح فرصة مشروطة بالأداء والالتزام والتواصل المستمر.

غير أن بعض أصحاب الكراسي يتعاملون مع الموقع بوصفه امتيازاً اجتماعياً ومكانةً مغلقة، لا مسؤولية مفتوحة أمام المواطنين. وهنا تبدأ الإشكالية؛ فحين يتراجع التواصل، ويتأخر الرد، وتُهمل المطالب، يشعر المواطن أن صوته لم يكن سوى وسيلة للوصول، لا شريكاً في القرار.

أزمة التواصل… أصل الخلل

المشكلة ليست دائماً في غياب الإنجاز، بل في غياب التواصل.

المجتمع قد يصبر على تعثر مشروع، أو تأخر خدمة، لكنه لا يصبر على التجاهل.

حين لا يُجاب الصحفي، ولا يُرد على استفسار إعلامي، ولا يُتاح تفسير واضح لقرارٍ ما، فإن الفراغ يُملأ بالشائعات، وتبدأ حالة التذمر بالتصاعد. الإعلام ليس خصماً للمسؤول، بل هو حلقة وصل بينه وبين الجمهور، وأداة لتصحيح المسار، ومنصة لعرض الحقائق بشفافية.

احترام الناس معيار القيادة

التواضع في المنصب لا ينتقص من الهيبة، بل يعززها.

الاستماع لا يُضعف القرار، بل يقوّيه.

الرد على المواطن لا يقلل من المقام، بل يرسخ الاحترام المتبادل.

التجارب الناجحة في الإدارة العامة تؤكد أن القائد الذي يحافظ على قنواته المفتوحة مع المجتمع يحافظ على رصيده الشعبي، بينما من يغلق الأبواب يُراكم العزلة تدريجياً، حتى يجد نفسه بعيداً عن الشارع الذي منحه الثقة.

مسؤولية الشعب أيضاً

الوعي المجتمعي عنصر أساسي في تصحيح المعادلة.

المواطن مطالب بأن يميّز بين من تواضع فاقترب، ومن تكبّر فابتعد.

التقييم لا يكون بالشعارات، بل بالفعل والاستجابة والشفافية.

نحو علاقة أكثر نضجاً

إعادة بناء الثقة تبدأ بخطوات عملية:

اعتماد سياسة الباب المفتوح وفق أطر تنظيمية واضحة.

احترام الاستفسارات الإعلامية والرد عليها ضمن سقف زمني محدد.

تقديم تقارير دورية تشرح الإنجاز والتحديات بشفافية.

إشراك المجتمع في تقييم الأداء ومناقشة الأولويات.

إن أصحاب الكراسي سيغادرون مواقعهم يوماً ما، لكن أثر سلوكهم سيبقى في ذاكرة الناس.

فإما أن يُذكروا بأنهم خدموا بتواضع وصدق، أو يُسجَّل عليهم أنهم تنكّروا لمن أوصلهم.

المنصب عابر…

أما احترام الشعب، فهو الباقي.

التصنيفات : سياسية | مقالات

اترك تعليقاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان