فقدان الهوية الاقتصادية وغياب الخطط والبرامج

2026-02-05
8

IFN

بقلم: صاحب العنزي

تُعدّ الموازنة العامة الأداة الأساسية التي تعكس فلسفة الدولة الاقتصادية وتوجهاتها التنموية، إذ لا تقتصر وظيفتها على تنظيم الإيرادات والنفقات، بل تمثل إطارًا تخطيطيًا يحدد أولويات الاقتصاد الوطني ويترجم الرؤى الاستراتيجية إلى سياسات مالية قابلة للتنفيذ. وفي العراق، ورغم الانتظام النسبي في إعداد الموازنات العامة، ما تزال قدرتها على الإسهام في بناء اقتصاد متوازن ذي هوية واضحة محل نقاش، ولا سيما في ظل استمرار التحديات المالية والاقتصادية.

 

تشير الهوية الاقتصادية إلى مجموعة السمات البنيوية التي تميز اقتصاد دولة ما من حيث مصادر الدخل، وهيكل القطاعات الإنتاجية، ودور الدولة في النشاط الاقتصادي. وتكتسب الموازنة العامة أهمية خاصة في هذا السياق، بوصفها الأداة العملية التي تُجسد هذه الهوية من خلال طبيعة الإنفاق العام وتوزيعه بين القطاعات المختلفة. غير أن هيكل الموازنة في العراق ما يزال يعتمد بصورة رئيسة على الموازنة الرقمية التقليدية، التي تركز على بنود الإنفاق المحاسبية دون ربطها بأهداف تنموية محددة أو نتائج قابلة للقياس، الأمر الذي أضعف دورها كأداة فاعلة للتخطيط الاقتصادي.

 

وقد أدى هذا النمط من الموازنات إلى تركيز الإنفاق العام على النفقات التشغيلية، ولا سيما الرواتب والدعم والنفقات الجارية، مقابل محدودية واضحة في الإنفاق الاستثماري المنتج. كما أسهم غياب الربط بين حجم الإنفاق والنتائج المتحققة في انخفاض كفاءة استخدام الموارد العامة، وأدى إلى استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية بوصفها المصدر الرئيس لتمويل الموازنة. ونتيجة لذلك، ترسخ الطابع الريعي للاقتصاد العراقي، وتراجعت فرص بناء قاعدة إنتاجية متنوعة قادرة على خلق فرص عمل مستدامة ودعم النمو الاقتصادي.

 

إن استمرار الاعتماد على الموازنة الرقمية دون تبني أساليب تخطيط مالي أكثر تقدمًا انعكس بصورة مباشرة على وضوح الهوية الاقتصادية للعراق، حيث غابت الرؤية الواضحة لدور القطاعات الإنتاجية، وبقيت الدولة هي المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي. وفي هذا الإطار، تُعد موازنات البرامج والخطط أحد البدائل الإصلاحية المهمة، إذ تقوم على ربط الإنفاق العام بأهداف محددة وبرامج قابلة للقياس والتقييم، بما يعزز كفاءة تخصيص الموارد ويرسخ مبدأ المساءلة على أساس الأداء، لا على أساس الصرف فقط.

 

غير أن التحول إلى هذا النوع من الموازنات يواجه جملة من التحديات، أبرزها الخلل الهيكلي المتمثل في تضخم الإنفاق التشغيلي، والخلل التخطيطي الناتج عن غياب الأهداف الواضحة والمؤشرات الكمية، فضلًا عن الخلل المؤسسي المرتبط بمحدودية القدرات الفنية والإدارية اللازمة لإعداد وتنفيذ ومتابعة موازنات البرامج. ومع ذلك، فإن معالجة هذه الإشكاليات تظل ممكنة من خلال تبني مسار تدريجي للإصلاح المالي، يبدأ بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتعزيز القدرات المؤسسية في مجالات التخطيط والمتابعة والتقييم، وربط الموازنة العامة باستراتيجية تنموية وطنية واضحة المعالم.

 

إن إشكالية الهوية الاقتصادية في العراق لا تعود إلى نقص الموارد المالية بقدر ما ترتبط بكيفية إدارتها وتوجيهها. ويُعد إصلاح هيكل الموازنة العامة، والانتقال التدريجي من الموازنة الرقمية إلى موازنات البرامج والخطط، خطوة محورية في إعادة بناء هذه الهوية، بما يسهم في تحقيق اقتصاد أكثر توازنًا واستدامة، قادر على تجاوز الطابع الريعي وتعزيز دور القطاعات الإنتاجية في التنمية الاقتصادية.

التصنيفات : مقالات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان