رسالة المنبر الحسيني

2022-06-13
22

بقلم /شيخ صادق الحسناوي

رغم قناعتي ان اغلب من يرتقي منبر الخطابة ينقل للناس تاريخ الدين وليس الدين نفسه على فرض انه يستقي هذا التاريخ من مصادره الرصينة ويحقق فحواه ومضمونه قبل اذاعته على مسامع الناس ، فإن هذه القناعة لاتغير من اهمية المنبر وخطورته اجتماعيا وعقائدياً رغم ان وسائل المعرفة باتت متاحة ومصادرها في متناول الجميع لكن رمزية هذا المنبر وسلطته الروحية والمعرفية لازالت تحتفظ بقدر كبير من اهميتها لدى المتلقي ، غير ان كل هذا لايمنع من توجيه النقد البناء لما نسمعه ونراه من افكار وافعال لاتمت الى الدين بصلة بل ليست من الدين بشيء فما الفائدة المتحققة من الخوض في مسألة لا موضوع لها او مناقشة حكم لم يعد لموضوعه وجود كمسألة زكاة النقدين (الذهب والفضة )على سبيل المثال او مسألة الإماء وعتقها وهي مسائل لم تعد قائمة وانما يذكرها الفقهاء في المطولات من كتب الفقه كجواهر الكلام والحدائق الناضرة وغيرهما للحفاظ على مضمون الشريعة واحكامها السابقة وهي مسائل نظرية لاتعود على المجتمع بفائدة تذكر والمستفيد منها علميا لاعمليا هم الفقهاء وطلبة العلم فقط ، والاولى والاهم ان يتجه خطباء المنبر لمعالجة التجريف الاخلاقي والانحطاط القيمي الذي ضرب بجرانه وبات انتصاره وشيكاً لعدة اسباب اهمها تراجع المنير عن دوره الرسالي وعن خطابه العقائدي وعن وظيفته في بناء المجتمع الرسالي واتجاهه الى السهل الذي في متناول الايدي والالسن من قبيل نقد السلطات الحاكمة والنظام القائم وهي احاديث يومية سمجة ومقرفة تجري على كل لسان وفي كل مجلس ومضافة وحتى لا ياخذنا الحديث طويلا فان لي جملة مؤاخذات ينبغي الاعراض عنها لدى الخطباء لان الحديث فيها لاقيمة له واهمها :
اولا: ترك الحديث عن المكتشفات العلمية في الميادين المختلفة فقد سئم المجتمع مقولة (هذا ماتحدث عنه الاسلام قبل 1400سنة ثم اكتشفه العلم حديثاً)!! ذلك ان نجاح الاسلام ومطابقة النظرية لتطبيقها او مايعرف ب (وحدة النظرية والتطبيق ) غير متوقف على اكتشاف علمي لاناقة لنا فيه ولاجمل سوى المسارعة الى تاييده من القرآن والسنة وربما ببعض الاساطير والخرافات والمنامات الناتجة عن التخمة في المأكل والمشرب وآثارهما من تهويمات وتجديفات تلبس لبوس الدين والعلم والمعرفة زورا وبهتانا!!! ومادام الامر كذلك والخطيب يملك الادلة من القرآن والسنة والآثار الخالدة فلِمَ ترك لغيره قصب السبق ولم يعلن عن اكتشافه العلمي والمعرفي قبل ان يكتشفه غيره ويتحول هو الى اداة اعلامية تربط بين الدين والتجارب العلمية التي يقول العلماء انفسهم ان نتائجها غير نهائية وانها معرضة للتغير في حال نجحوا في اكتشافاتهم وتجاربهم الاخرى ؟!والحديث عن هذه الناحية لايختلف عن احاديث المستقبل ونهاية العالم وربطها ببحيرة سارة وطبرية وغيرها من احداث تكررت عشرات المرات ولم تنته الدنيا او يهلك سكان الارض ! ولست ادري ما الفائدة من التبشير بالهلاك والموت ونهاية العالم رغم ان المؤمن وغير المؤمن موقن لان نهاية كل حي هي الموت!!
ثانيا : هناك من يرتقي المنبر ويخاطب الناس بصفته (سكرتيراً ) عند الله او حاملاً لاختام السماء ويقسم على الناس مقاماتهم ومراتبهم ومنازلهم ! وهذا باجمعه خبط عشواء وبضاعة حاطب ليل فان المنزلة الكريمة مقرونة بالتقوى (ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) وهذه تعرف بآثارها ولا توهب لاحد بالاماني او تشترى بالسطوة والسلطة وليست مختصة بطبقة الاثرياء او العلماء فقد قيل ان الله عزوجل اخفى اوليائه بين عباده فلا تحقرن احداً كما قيل ان الله ينصر دينه بمن لاخلاق له اي بمن لايرى له الناس حظاً في نصرة الدين !
وهذه الاحاديث والكلمات بدأت تنتشر بين العامة والخاصة وبين المسلمين وغيرهم لان الاتجاهات السياسية العالمية قائمة على اشاعة التصوف لدى الاديان كافة وترجيح كفة التصوف الوثني من حيث يشعر الناس او لايشعرون انطلاقا من مسلمة ان الاديان السماوية حواضن للعنف والارهاب وان التصوف سيما الآسيوي منه غير عنفي وغير دموي ولايتبنى التكفير !! ويتناسى العالم ان غاندي داعية اللاعنف كان ضحية عنف ديني من طائفة هندية اراقت دمه واستباحت قتله وكذلك يغمض العالم عينيه عن جرائم البوذيين في ميانمار بحق المسلمين !والاخطر في الامر ان بعض خطباء المنبر ممن يميلون لهذا الاتجاه يصيبون الاسلام في مقتل ويقوضون البنى التحتية للعقيدة الدينية الاسلامية بدعاوى هشة لايسع المجال لمناقشتها
ثالثا: تاليه الانسان وانسنة الله عزوجل ! وهذا الاتجاه يزعم ان النزعة الانسانية اعم واوسع من الفكرة الدينية وهو فهم خاطئي لمعنى الانسانية فلسفيا والتي لا تعني سوى الدعوة الى تقديس الانسان ونزعاته وميوله ونبذ الدين جانبا انتصارا للفطرة !
رابعا : تبرير الاحكام الشرعية وتعليلها ، وكل هذه التعليلات والتبريرات حتى اذا اصابت وادركت جزء العلة فانها لم ولن تدرك الجانب الغيبي لهذه الاحكام اطلاقا وان بدت في ظاهرها مقبولة ومعقولة من قبيل سؤال المعري :
يد بخمس مئين عسجد وديت
مابالها قطعت في ربع دينار ؟!
والجواب القائل :
عز الامانة اغلاها وارخصها
ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
او القول انها لما كانت امينة كانت ثمينة فلما خانت هانت ، وهي تبريرات وتعليلات مقبولة عقلا لكنها لا تكشف عن علة التشريع التامة التي تقوم على مافيه مصلحة العباد حتى لو كانت هذه المصلحة تتحقق في قطع يد السارق
ان المهمة الاساس للمنبر هي بناء الانسان عقائديا وهذا ليس بالامر الهين ان لم يك الداعي اهلا لذلك ففاقد الشيء لايعطيه وربما عاد بالضرر. اجتماعيا وعقائديا والله عزوجل لايكلف الانسان مالايطيق

التصنيفات : شؤون الناس | متفرقة | مقالات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان