حين يتكفّل الناس بالدفاع عن المنبر… الشيخ علي المياحي في مرآة الضمير الشعبي

IFN
ر.ت:رحيم العتابي
في موجةٍ لافتة من التفاعل، تحوّلت نوافذ التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه محكمة أخلاقية مفتوحة، لم تُدار بالصراخ، بل بالكلمات الصادقة، دفاعًا عن الشيخ الدكتور علي المياحي، خطيب المنبر الحسيني، بعد إساءات رآها كثيرون خروجًا عن الإنصاف، وتجاوزًا لا يليق لا بالاختلاف ولا بالمنبر.
لم تكن تلك المنشورات بيانات منظمة، ولا حملات مدفوعة، بل عبارات خرجت بعفوية، تشبه أصحابها، وتُشبه الرجل الذي دافعوا عنه.
كتب أحدهم بمعنى واضح: المنبر لم يُمسّ بسوء، لأن من اعتلاه كان أمينًا عليه.
وكتب آخرون: الشيخ المياحي لم يبدّل رسالة الحسين، بل قرأها بضمير هذا الزمن.
تكررت فكرة واحدة بصيغ متعددة:
لم يتلاعب بالمنبر الحسيني،
لم يحوّله إلى استعراض،
لم يفرغه من قداسته،
بل حافظ عليه كما هو: رسالة ووعي ومسؤولية.
ومن أكثر العبارات تداولًا، وإن اختلفت كلماتها، ذلك المعنى العميق الذي لامس القلوب:
الورقة التي سقطت يومًا من يد عميد المنبر الحسيني الشيخ أحمد الوائلي، لم تُهمل، بل التقطها الشيخ علي المياحي، لا ادعاءً للخلافة، بل وفاءً للفكرة.
وهي عبارة لم تُفهم بوصفها مقارنة شكلية، بل بوصفها امتدادًا أخلاقيًا وفكريًا، حيث لا يُقاس الخطيب بصوته، بل بصدقه.
كثيرون كتبوا عنه بلهجة أقرب إلى الاعتراف الشخصي:
يشبه الطمأنينة حين تضيق الدنيا،
حضوره خفيف على القلب، لكن أثره عميق،
لا يتصنّع، ولا يجيد إلا الحقيقة،
قلبه أبيض، ونواياه أنقى من الكلام.
تنوّعت العبارات، لكن الجوهر واحد: رجل يعطي من روحه قبل أن يعطي من يده، وإذا تحدّث شعرت بالصدق، وإذا استمعت له أدركت أن بعض الأصوات لا تُنسى، لأن وجودها بحد ذاته نعمة.
وفي مقابل هذا الإجماع الشعبي، طُرح سؤالٌ متكرر بصيغ مختلفة:
ما هو الذنب الذي اقترفه الشيخ المياحي؟
وكان الجواب حاضرًا في أكثر من منشور:
لم يخطئ، ولم يُسيء، ولم يتجاوز على أحد… ذنبه الوحيد أنه لم يكن نسخة، ولم يقف في المكان الذي يُراد له أن يقف فيه.
وتوقّف كثيرون عند مسألة التقارب من مدرسة آل الصدر، بوصفها سببًا غير معلن للهجمة. كتب بعضهم بمعنى صريح:
كل من يقترب من هذه المدرسة، أو يحترمها، أو لا يعاديها، يصبح هدفًا جاهزًا.
وكتب آخرون:
المشكلة ليست في ما يقوله الشيخ، بل في أين يقف، ومع من يحترم، ومن يرفض أن يُقصي.
المفارقة التي أشار إليها متابعون كُثر أن الشيخ المياحي، بحسب خطابه المعروف، لم يهاجم أي مدرسة، ولم ينتقص من أي مرجعية، ولم يُسقِط أحدًا، بل كان حريصًا على لغة جامعة، تحترم الجميع، وتضع مصلحة التشيع والعراق فوق أي اعتبار. لكن هذه اللغة، الهادئة والمتزنة، لا تُرضي من اعتاد منطق الإلغاء.
وهكذا، تحوّلت الإساءة إلى نتيجة عكسية. فبدل أن تُضعف حضوره، وسّعت دائرة التعاطف معه. وبدل أن تُشكّك في خطابه، أعادت تسليط الضوء عليه. وكأن الناس قالت، دون اتفاقٍ مسبق:
من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، ومن لم يُنصف الكلمة الصادقة لا يحق له الادعاء بحماية المنبر.
في المحصلة، لم يكن الدفاع عن الشيخ علي المياحي دفاعًا عن شخص، بل عن فكرة المنبر النزيه، وعن الخطيب الذي يخاطب العقول قبل أن يستفز العواطف، وعن حق الاختلاف دون تشويه.
لقد قال الناس كلمتهم، وبصوتٍ واحد:
المنبر الحسيني أكبر من حملات الإساءة، وأصدق من أن تهزّه حملات عابرة، ومن يخدمه بصدق، تحميه القلوب قبل المنصات.
