ثقافة الدوام المفتوح وسياسة عدم الإزعاج

2025-11-28
147

ع.ح.م-IHN

بقلم: صاحب العنزي

في عالمٍ يتسارع فيه الإيقاع يومًا بعد يوم، تحوّلت بيئة العمل الحديثة إلى فضاء يختلط فيه الخاص بالعام، وتماهت فيه الحدود بين حياة الموظف المهنية وحياته الشخصية. واحدة من أبرز الظواهر التي رافقت هذا التحول هي ثقافة الدوام المفتوح—تلك الفكرة غير المُعلنة بأن الموظف يجب أن يكون متاحًا دائمًا، على مدار الساعة، للإجابة عن مكالمة أو تنفيذ مهمة “مستعجلة”، حتى بعد انتهاء ساعات عمله الرسمي.

غير أنّ هذا الواقع لم يعد مقبولًا في بعض الدول الأوروبية التي أدركت خطورته على الصحة النفسية والإنتاجية. البرتغال مؤخرًا انضمّت إلى ركب إسبانيا ودول أخرى، واعتمدت تشريعًا يُعدّ خطوة متقدمة باتجاه تعزيز حق الموظف في “عدم الإزعاج” بعد نهاية الدوام، ومنع أرباب العمل من التواصل مع موظفيهم خارج الوقت الرسمي، إلا في الظروف الاستثنائية والضرورية جدًا.

وتعود جذور هذه الثقافة إلى مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية:

1. انتشار العمل عن بُعد الذي أذاب الفاصل بين البيت والمكتب.

2. ضغط الأداء حيث يشعر الموظف أنه مطالب بإثبات ذاته عبر تلبية أي طلب، في أي وقت.

3. ثقافة التظاهر بالانشغال التي تساوي بين طول الساعات والإنتاجية.

4. ضعف التشريعات في دول كثيرة، ما يسمح لأرباب العمل بإبقاء الموظف في حالة “استنفار دائم”.

اذ ان هذه الثقافة أدت إلى إرهاق مزمن، وصعوبة في التوازن بين الحياة والعمل، إضافة إلى ارتفاع معدلات الاحتراق الوظيفي.

تجدر الاشارة الى ان ما قامت به البرتغال مؤخرًا ليس خطوة اجتماعية فقط، بل هو اعتراف رسمي بأن للموظف حياة بعد الدوام. ينص القانون على أنه:

• لا يحق للمدير أو صاحب العمل الاتصال بالموظف بعد ساعات العمل الرسمية

• إلا إذا كان السبب طارئًا جدًا أو ذا طبيعة استثنائية.

• كما يُلزم الشركات بتنظيم ساعات العمل بوضوح.

إسبانيا سبقت البرتغال في هذا المضمار، ووضعت ما يُعرف بـ “الحق في قطع الاتصال”وهو حق منصوص عليه قانونيًا يحمي الموظف من تلقي رسائل أو مهام خارج إطار العمل.

واقعا ثبت ان هذه الخطوات  تضع صحة الموظف النفسية في المقام الأول، وتُعيد الاعتبار لأهمية الوقت الشخصي، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة العمل ذاتها.

ونحن نتساءل لماذا نحتاج هذا النقاش في عالمنا العربي في كثير من بيئات العمل العربية، أصبح من الطبيعي أن:

• تُرسل رسالة للموظف في منتصف الليل.

• يُطلب منه تنفيذ مهمة في يوم إجازته.

• يُحاسَب إذا لم يجب اتصالًا خارج الدوام.

هذه الممارسات خلقت حالة من التوتر الدائم وفقدان الخصوصية، وغيّبت مفهوم العمل المحترم الذي يُبنى على النظام والاحترام المتبادل. إن تبني سياسات مشابهة لما فعلته البرتغال وإسبانيا قد يكون خطوة ضرورية لإصلاح بيئة العمل وتسليط الضوء على أن الموظف ليس آلة، بل إنسان له حياة وأسرة واحتياجات.

ثم كيف لنا تبني سياسة عدم الإزعاج في مؤسساتنا؟

لتطبيق هذه الثقافة، يمكن التفكير في الخطوات الآتية:

1. وضع تشريعات واضحة داخل المؤسسات تحدد ساعات العمل وما بعدها.

2. اعتماد حق قطع الاتصال كسياسة داخلية ملزمة.

3. تقليل الاجتماعات والمراسلات غير الضرورية.

4. تعزيز ثقافة الإنتاجية التي تقيس العمل بجودته، وليس بعدد الساعات .

التكنولوجيا يمكن أن تكون شريكًا ذكيًا يمنع الاتصال غير الضروري بالموظفين.

فهي تعمل خلف الكواليس، وتحوّل الإزعاج الحقيقي إلى حالات نادرة جدًا ومبررة

نعم التكنولوجيا خاصة الذكاء الاصطناعي والبرمجيات الذكية بدأت بالفعل تقوم بدور الحارس الليلي للعمل، وتتكفل بمهام كثيرة دون الحاجة لإزعاج الموظف. ومن أمثلة ذلك:

الردود الآلية على البريد الإلكتروني

يمكن برمجتها لإرسال رسائل:

“تم استلام رسالتك، وسيتم الرد عليك خلال ساعات العمل.”

أنظمة المراقبة والاستشعار

سواء في الأمن، الأنظمة التقنية، أو مراقبة الخوادم… يمكنها إرسال تنبيه فقط عند حدوث مشكلة حقيقية.

روبوتات الدردشة

قادرة على الإجابة عن أسئلة العملاء الأساسية دون تدخل بشري.

أنظمة الجدولة والتذكير

تؤجل أي طلب لليوم التالي داخل الدوام، وتحمي الموظف من كثرة التنبيهات.

هذه الأدوات تقلّل الحاجة الملحة للتواصل مع الموظف بعد الدوام، وتسد جزءًا من الفجوة .

من المهم أن نفهم أن حق الموظف في “عدم الإزعاج” خارج ساعات العمل لا يتعارض مع مبدأ قانوني أصيل تم إقراره من قبل المشرّع العراقي منذ عقود.

فالمادة (4) ثانيًا من قانون انضباط موظفي الدولة رقم 14 لسنة 1969 المعدل تنص صراحة على الموظف أن يخصص جميع أوقات الدوام الرسمي للعمل .

وهذا النص يحقق ثلاثة مبادئ مهمة:

1-الانضباط 2- التواجد 3- والإنتاج

التصنيفات : شؤون الناس | مقالات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان