المأساة لم تفارق قرى تركمانية في العراق

2021-12-16
14

وكالة العراق الحر نيوز

بقلم / زينب زكي غائب

الحروب لا ترحم أحداً، لطالما كانت الحروب لا تنتج لنا سوى دمار، خراب، مآسي، أذى، نساء ثكالى، أيتام.
وبدلاً من سماع صوت ضحك الأطفال كنا نسمع صوت القذائف وإطلاق الرصاص وبدلاً من الجلوس مع العائلة في مائدة طعام واحدة، العوائل تشتتت وبيوت دمرتها الحروب، ليتحول بعدئذ المكان الذي كان يضج بالروح إلى خرابة ليس فيها إلا المسلحين يشبهون غربان سود التي تنعق بالنذير المشؤوم حاملين أسلحة، مُنذرين ببناء قبور جديدة.

في العراق وتحديداً في قرية البشير التركمانية في محافظة كركوك ذات الغالبية التركمانية، حيث تنظيم داعش الذي شنّ هجمات على المدنيين في حزيران عام ٢٠١٤، لترتكب أبشع الجرائم ضد الإنسانية.

لم تقتصر هجمات التنظيم الارهابي على قرية البشير فحسب، بل وحتى على قرى تركمانية أخرى مثل: تازة خورماتو، براوجلي، جرداغلي، قرة ناز.
ومارسوا شتى أصناف انتهاكات؛ سَبي، سجن، اغتصاب، تعذيب، قتل، تهجير، تدمير؛ هذا ما فعلته عناصر داعش الإرهابية بهذه القرى لتُخلِّف بعد ذلك فوضى لا تحمد عُقباه وأيتام بلا سَنَد.
فهناك من أصبحت مصائرهم مجهولة حتى الآن وهناك مئات بل نستطيع القول آلاف أيتام حُرموا من لذة رؤية عائلاتهم.
ولكن لم نقطع الأمل، فهناك دائما الفيض الإلهي من الرحمة على الأيتام أين ما كان ليُسخّرَ لهم أشخاصاً لينقذوهم من أنقاض الحروب ليُحال دون موتهم.

“أبو زهراء التركماني” الرجل التركماني الذي ينحدر من قرية البشير والذي بدوره تعرض الى الإصابات البالغة الواضحة على منطقة الرأس أثناء الحرب مع التنظيم داعش وأنَّ الله منَّ عليه بالعمر فأنقذه من الموت المحتم.
أنقذ ما يمكنه أن ينقذ من أطفال أيتام، عاش الواقع الحي الأليم وتعايش معه، أنقذ أطفال أبرياء من آلة الحرب والمعاناة ويبدو أن ذلك وبدون شك سبباً كافياً لينقذه الرب من الموت الحتمي.
أبو زهراء المثال الحي للرجل الذي بَدا عليه واضحاً بصمات الحرب على ملامحه عندما أرسل لي صوره مع الأيتام الذين تكفلهم، معبّراً عن حبه للأطفال الأيتام بنبرة حزينة، تكاد دموعه تصّب على خديه بسبب تذكره المواقف الأليمة أثناء شن داعش الهجوم على قرية البشير وقرى تركمانية أخرى عام ٢٠١٤.
رغم الصعوبات والأهوال والمشاهد المرعبة والمفزعة أثناء قتال عناصر داعش مع القوات العراقية وقوات الحشد الشعبي، إلا أن ” أبو زهراء ” لم ينتكس عن واجبه في البحث عن الأيتام لينقذ صرخاتهم من الشقاء والعذاب.

أبو زهراء ، الآن ، يتكفل بعدة أيتام ، وكل طفل منهم ينحدر من قرية تركمانية مختلفة ، بدأ بالحديث عن اليتيمين ( فاطمة وابن عمها حسن ) من قرية براوجلي التركمانية، الذي وصف الطفلة فاطمة بكل حياته مكملاً حديثه بأن الطفلة اليتيمة -فاطمة – هي من قرية براوجلي وعند دخول تنظيم داعش الى هذه القرية استهدف عوائل وأشخاص عدة ومن ضمنها والد الطفلة اليتيمة فاطمة ليُهاجروا بعد ذلك من قريتهم الى المدينة مدينة كركوك ليُسكنوا في حُسينية شيعية قيد البناء ( هيكل) ، لتنتهي حياة عائلة فاطمة هنا بتفجير الإرهابيين سيارة مفخخة عليهم والذي أودى بحياة ٧ أشخاص من عائلة الطفلة اليتيمة فاطمة .
وبعد هذا التفجير الدامي تحولت حياة حسن وفاطمة الى نقطة بداية حياة الغربة ومستقبل قاسي.

وأكمل أبو زهراء حديثه بحُرقة عن الأيتام وهذه المرة مع الطفلة التركمانية أخرى آية من تلعفر التي فقدت عائلتها كاملاً، والدها ووالدتها وإخوانها الثلاثة أثناء نزوحهم من تلعفر الى سنجار عام ٢٠١٤، وبقيت وحيدة مع عمها مهجرة بين المواكب بين محافظتي كربلاء والنجف الأشرف.
” كان لدي أهل وأصدقاء، كنا نجلس سوياً” الطفلة آية.
والآن ماذا؟! لأشيء.
وخلال حديثي مع أبو زهراء تبيّنَ لي عن مدى حبه لهؤلاء الأطفال من خلال احتفاظ صور الأطفال في هاتفه المحمول والجلوس معهم باستمرار ووضع صورهم في وسائل تواصل الاجتماعي وعن مدى الطرفين ببعضهم البعض.

أبو زهراء وعملاً بالآية الكريمة “يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لاعنتكم إن الله عزيز حكيم” لم يتوقف عن عمله الإنساني، بل كان يسعى ولازال أن يُعيد الابتسامة الى وجوه اولئك الأطفال التي صادرت منهم الحرب ضحكتهم وبدّلتْ أيام طفولتهم المحفوَّة بالمرح إلى أيام محمولة بالهموم واليأس.

وتابع أبو زهراء تعريفه وحديثه لي عن الطفلة التركمانية اليتيمة “اسراء” التي فقدت كل عائلتها ايضاً وذلك عندما هاجم التنظيم الإرهابي منزلهم قبل عامين ليتم قتل والدها أثناء دفاعه عن عائلته بعدلك قُتلت والدتها وعمتها واختها الصغيرة ذات الثلاث أعوام، وقُتل جدها وشقيقها على يد التنظيم الإجرامي، جُرحت اسراء وفقدت عينها آنذاك.
قصص تروي مأساة حياة الأطفال قبل وبعد تنظيم داعش الإرهابي، قصتهم وآلامهم لا تنتهي حتى انتهاء داعش، حياتهم تبدلت وتغيرت، الحياة لم ترحمهم، الحروب زُجت بهم الى بيئة لم تكن بيئتهم؛ تشرد، سبي، ليصبحوا ضحايا الاستغلال والابتزاز وذلك بسبب عدمان الأمن والاستقرار، وفي النهاية بعضهم هم مرضى نفسيا بسبب آثار الحروب.
فما هو ذنبهم؟! كل هذا يحدث بدون ذنب جنوه، يتجرعون كأس مرارات الحروب وأصناف من الشقاء والعذاب.
كنّا نشاهد التلفاز ونرى جرائم يرتكبها التنظيم الإرهابي ونعصر قلوبنا ألماً، وكيف عن هؤلاء الأطفال وهم يشاهدون مقتل عائلاتهم بصور حية أمام أعينهم بمشاهد الأقسى على الإطلاق.
فقصة ” آية، فاطمة، حسن، اسراء ” هي قصص ليست بهيّنة بتاتاً وهي جزء من آلاف القصص عاشتها اطفال تركمان في قرى تركمانية وهم المتوشحين بيتمهم وصورة عن الأطفال اقتنصت الحروب براءتهم وضحكتهم وتبدلوا من أطفال يحملون زهوراً الى اطفال يحملون هموماً بثقل جبال.
وبين غمرة الانشغالات بين دعاة الحرب والسلام، هناك من يعزّ عليه أن يرى أطفال يتامى دون ايوائهم وإعادة الأمان المفقود لهم، رحيم القلب وهو من بين أشخاص وأصحاب الإنسانية في تقديم يد العون والمساعدة للأيتام والأشخاص الذين تعرضوا لفقدان أبويهم.

مثل ما فعل ” أبو زهراء التركماني “.

التصنيفات : مقالات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان