العراق بين فائضٍ مهدور وإفلاسٍ مقلق: أين ذهبت التريليونات؟

2026-01-25
65

IFN

بقلم رئيس التحرير

رحيم زاير العتابي

 

يمرّ العراق في هذه المرحلة الحساسة بواحدة من أخطر أزماته المالية والاقتصادية منذ سنوات، أزمة لا تتجسد فقط في شحّ السيولة أو تصاعد المديونية، بل في غموض المسار الذي سلكته أموال هائلة كانت متاحة في وقت قريب، وانتهت اليوم إلى واقع يوصف بالإفلاس شبه الكامل.

ففي ختام فترة الحكومة السابقة، كان العراق يمتلك خزينة مالية واحتياطيات تُقدّر بتريليونات الدنانير، شكّلت آنذاك ما يشبه شبكة أمان للاقتصاد الوطني. غير أن هذه الأموال، وبحسب ما يتداول اليوم في الأوساط السياسية والاقتصادية، قد صُرفت بالكامل خلال فترة زمنية قصيرة، لتتحول البلاد بعدها إلى واقع مالي مثقل بالديون الداخلية والخارجية.

اللافت أن حجم الإنفاق خلال حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وفق أرقام متداولة وتصريحات برلمانية، بلغ قرابة 60 تريليون دينار عراقي، وهو رقم غير مسبوق قياسًا بالنتائج المتحققة على الأرض. ورغم الضجيج الإعلامي الذي رافق هذه الأرقام، فإن الملف مرّ دون مساءلة حقيقية أو كشف تفصيلي للرأي العام.

عضو في اللجنة المالية النيابية كشف في حديث متداول أن الحكومة الحالية، والتي كان هو أحد المشاركين في صناعة قراراتها المالية، ورثت من الحكومة السابقة مبالغ تُقدّر بـ 23 تريليون دينار كمدوّر من موازنة 2021، إضافة إلى 10 تريليونات دينار خُصصت لموازنة الأمن الغذائي، ليصل المجموع إلى 33 تريليون دينار.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ طلبت الحكومة لاحقًا 23 تريليون دينار من البنك المركزي العراقي، ثم أتبعتها بطلب 5 تريليونات دينار من مصرفي الرافدين والرشيد، ليقفز إجمالي المبلغ المصروف أو المسحوب إلى حدود 60 تريليون دينار.

ورغم التأكيد على أن جميع المقاولين استلموا مستحقاتهم كاملة، ووجود ودائع كبيرة في صناديق مثل صندوق الرعاية الاجتماعية وشركات التأمين، فضلًا عن الأموال المرصودة لمشاريع الأمن الغذائي التي قُدّرت بنحو 15 تريليون دينار إضافية، فإن النتيجة النهائية كانت صادمة: مديونية خارجية تقارب 100 تريليون دينار، وديون داخلية تُقدّر بنحو 85 تريليون دينار، تضع الحكومة المقبلة أمام عبء مالي ثقيل يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

المفارقة المؤلمة أن هذا الإنفاق الضخم لم ينعكس على واقع المحافظات التي لا تزال تعاني من هشاشة البنى التحتية، وبيئات غير صالحة للسكن البشري في بعض مناطقها، في وقت يملأ فيه الشباب العاطلون عن العمل الشوارع دون تعيينات أو فرص حقيقية. أما القطاع الخاص، فيعاني الشلل والتراجع، دون دعم فعلي أو سياسات تحفيزية.

وفي مقابل ذلك، تشير تساؤلات مشروعة إلى احتمالية تسرب جزء من هذه التريليونات إلى خارج البلاد، عبر أرصدة لمتنفذين وعوائلهم، أو استثمارات وعقارات وقصور جرى اقتناؤها خارج العراق، بينما بقي المواطن البسيط يواجه الغلاء، وانعدام الخدمات، وانسداد الأفق.

السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل هو: أين ذهبت أموال العراق؟ وعلى من صُرفت؟ ولماذا لم تُترجم هذه الأرقام الخيالية إلى تنمية حقيقية، أو بنى تحتية، أو فرص عمل تحفظ كرامة المواطن؟

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان