الصين وحجم التسارع في تكنولوجيا المعلومات

ع.ح.ن-IHN
بقلم: صاحب العنزي
شهدت الصين خلال العقود الأخيرة قفزة نوعية غير مسبوقة في مجال تكنولوجيا المعلومات، حيث تحولت من دولة نامية تعتمد على التصنيع التقليدي إلى قوة رقمية عالمية تقود الابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والاتصالات والتجارة الإلكترونية، ولم يكن هذا التسارع وليد الصدفة بل جاء نتيجة تضافر مجموعة من العوامل في مقدمتها الاستقرار السياسي الذي وفر بيئة آمنة للتخطيط طويل الأمد، والاستقرار الاجتماعي الذي ساعد على توجيه طاقات المجتمع نحو العمل والإنتاج بدل الصراعات، إلى جانب رؤية اقتصادية واضحة ربطت بين التنمية والتكنولوجيا باعتبارها محركًا أساسيًا للنمو. وقد دعمت الدولة هذا التوجه عبر استثمارات ضخمة في البحث العلمي والتعليم التقني والبنية التحتية الرقمية، مع سياسات تشجع الابتكار وتحفّز الشركات المحلية على المنافسة عالميًا، كما أسهم انتشار الإنترنت واسع النطاق وشبكات الجيل الخامس في ربط المدن والمناطق الريفية وفتح آفاق جديدة للخدمات الذكية مثل الدفع الإلكتروني والتعليم عن بُعد والرعاية الصحية الرقمية.
ولعبت الشركات الصينية الكبرى دورًا محوريًا في تطوير منصات رقمية تخدم مئات الملايين داخل الصين وخارجها، مما عزز مكانة البلاد في الاقتصاد الرقمي العالمي وجعل تكنولوجيا المعلومات محركًا أساسيًا للنمو الاقتصادي وأداة لرفع الكفاءة والإنتاجية. وقد انعكس هذا التطور على المجتمع الصيني حيث أصبحت التكنولوجيا جزءًا من الحياة اليومية، من المواصلات الذكية إلى المدن الرقمية القائمة على تحليل البيانات في إدارة الخدمات العامة،
وبرزت الصين كمنافس قوي للدول المتقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والروبوتات، مستفيدة من سوق داخلي ضخم وفر بيئة مثالية للتجريب والتطوير. وفي المقابل، فإن العديد من دول المنطقة الآسيوية وغيرها بقيت على حالها أو تراجعت بسبب غياب الاستقرار السياسي أو الاجتماعي، وضعف التخطيط الاستراتيجي، وتذبذب السياسات الاقتصادية، إضافة إلى محدودية الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، مما جعلها مستهلكة للتكنولوجيا بدل أن تكون منتجة لها.
ومع استمرار المسار التصاعدي للصين، تتجه الدولة إلى تعزيز سيادتها الرقمية وتطوير تقنياتها المحلية لتقليل الاعتماد على الخارج عبر الاستثمار في صناعة الرقائق والبرمجيات وأمن المعلومات، إلى جانب إعداد جيل جديد من الكفاءات من خلال تحديث المناهج وربط الجامعات بالصناعة، وفي ظل هذا التسارع أصبحت تكنولوجيا المعلومات عنصرًا أساسيًا في تحقيق التنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة ودعم القرار القائم على البيانات، وهو ما يبرز بوضوح أن تجربة الصين تؤكد أن الاستقرار السياسي والاجتماعي المصحوب برؤية استراتيجية واستثمار حقيقي في الإنسان والتكنولوجيا هو العامل الحاسم الذي يصنع الفارق بين دول تتقدم بسرعة وأخرى تبقى مكانها أو تتراجع في عالم سريع التغير
من جهةٍ أولى، ترى العديد من الدول الصناعية أن صعود الصين السريع يشكل تحديًا مباشرًا لأمنها الاقتصادي، وذلك لأن الصين لم تعد مجرد “مصنع للعالم” يعتمد على العمالة الرخيصة، بل أصبحت منافسًا متقدمًا في الصناعات عالية التقنية مثل الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، الاتصالات، والطاقات المتجددة. هذا التحول يهدد التفوق التكنولوجي والصناعي التقليدي للدول المتقدمة، ويضغط على أسواق العمل فيها، كما يمنح الصين قدرة متزايدة على التحكم في سلاسل التوريد العالمية، وهو ما ظهر بوضوح خلال الأزمات العالمية عندما تعطلت الإمدادات أو أصبحت الدول أكثر اعتمادًا على المصانع الصينية.
ومن جهةٍ ثانية، لا يمكن تجاهل أن الصين تمثل محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي العالمي، إذ توفر أسواقًا ضخمة، واستثمارات، وبنية صناعية متكاملة أسهمت في خفض تكاليف الإنتاج عالميًا، وساعدت دولًا كثيرة، خاصة النامية، على الاندماج في الاقتصاد العالمي. بالنسبة لهذه الدول، لا يُنظر إلى الصين كتهديد بقدر ما تُعد فرصة للتنمية والشراكة ونقل التكنولوجيا.
أما بالنسبة للدول الصناعية تحديدًا، فإن “التهديد” لا يكمن فقط في قوة الصين، بل في سرعة تكيفها وقدرتها على الجمع بين التخطيط المركزي وآليات السوق، وهو نموذج أربك الاقتصادات الليبرالية التقليدية. ولهذا اتجهت هذه الدول إلى سياسات حماية، وفرض قيود تجارية وتكنولوجية، في محاولة لإعادة التوازن وحماية أمنها الاقتصادي.
بشكل عام، يمكن القول إن التنين الصيني لا يهدد الأمن الاقتصادي العالمي بذاته، بل يفرض واقعًا اقتصاديًا جديدًا يعيد توزيع مراكز القوة. الدول التي تمتلك رؤية واضحة، واستثمارًا في الابتكار، وقدرة على التكيف، تستطيع التعايش مع هذا الصعود بل والاستفادة منه، بينما تجد الدول المتأخرة أو المعتمدة على نماذج تقليدية نفسها أمام تحدٍ حقيقي. وبالتالي فإن صعود الصين ليس أزمة عالمية بقدر ما هو اختبار لقدرة الدول على التجدد في نظام اقتصادي دولي سريع التحول.
