الرجولة والأنوثة بين الفطرة والتكامل.. ميزان النص أم ميزان العرف؟

2026-02-23
149

IFN

بقلم: رحيم زاير العتابي

“بين سطوة العرف الذي جمد الأدوار، وروح النص الذي أرسى التكامل؛ تائهةٌ هي بوصلة البيوت. فهل تعاون الرجل في بيته انتقاصٌ من هيبته، أم هو استعادة لجوهر الرجولة الرحيمة؟ في هذا المقال، نُبحر في سيرة القدوة لنكشف كيف تحول ‘البيت’ من ساحة للصراع على الصلاحيات إلى واحة للمسؤولية المشتركة، مقتفين أثر ميزان الفطرة والعدل”.

الميزان الحاكم: النص لا المزاج

​كثيرٌ من الجدل يثور اليوم حول تعاون الرجل مع زوجته في شؤون البيت؛ فبينما يراه البعض مساساً بـ “الهيبة” أو خروجاً عن “الطبيعة”، يرى آخرون فيه ذروة الرقي الإنساني. إن الميزان الذي ينبغي أن نحتكم إليه ليس المزاج الاجتماعي المتقلب، ولا الأعراف الضيقة إذا تعارضت مع روح الرسالة، بل ما أرشدنا إليه القرآن الكريم والسنة المطهرة وسيرة أهل البيت (عليهم السلام). فالقرآن وضع القاعدة الذهبية: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ والمعروف هنا يشمل الرحمة، والعدل، والتعاون، وخفض الجناح، وتحمل المسؤولية المشتركة.

سيرة القدوة: قمة التواضع والرقي

​السيرة العملية تجلي هذه الصورة بوضوح. فقد كان النبي محمد ﷺ -وهو قائد الأمة وصاحب الرسالة العظمى- يكون في خدمة أهله؛ يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعين في شؤون بيته. لم يكن ذلك انتقاصاً من مقامه، بل كان قمة في التواضع والرقي الأخلاقي.

​وعلى ذات النهج، نجد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يتقاسم الأدوار مع السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؛ فجعل ما داخل البيت عليها، وما خارجه عليه، مع تعاونٍ متبادل عند الحاجة. كان الإمام يحتطب ويستقي ويعاون، دون أن يرى في ذلك ما يضعف رجولته أو مكانته. وقد نُقل عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) إشارات واضحة إلى أن حسن المعاشرة ولين الجانب وخدمة العيال من مكارم الأخلاق.

التكامل لا التضاد

​إن الإقرار بخصوصية كل جنس لا يعني تحويل الدور إلى “قيد جامد”؛ فالرجل مسؤول عن النفقة والسعي وهي “قوامة تكليف”، والمرأة بخصائصها الرقيقة مؤهلة لاحتضان الأسرة. لكن هذه الفطرة لا تعني أن الامتناع عن المساعدة هو معيار الرجولة. فالرجل الذي يعين زوجته لا يجعله ذلك أقل رجولة، كما أن عمل المرأة بكرامتها لا يسلبها أنوثتها. الأسرة الناجحة لا تقوم على عبارة: “هذا شغلك وهذا شغلي”، بل على روح: “هذا بيتنا ومسؤوليتنا معاً”.

كلمة شكر ووفاء

 لا يسعنا إلا أن نرفع أكف الثناء والتقدير لكل من جعل هذه المبادئ والقيم الحقة نصب عينيه، فاستند إليها عملاً، وأرشد إليها قولاً. وتحية إجلالٍ تليق بعلماء الدين الأفذاذ، وأرباب المنابر الصادقين، والصلحاء والورعين، والمثقفين والنبلاء، وكل كاتبٍ وأبٍ حمل أمانة الكلمة والمسؤولية في مجتمعنا.

ولا يفوتنا التأكيد بأن التمسك بهذه المباديء يمثّل تثبيتًا لقلوب المؤمنين على قيم السماء ومكارم الأخلاق الرفيعةوتعزيز لسبل التسامح والألفة التي فيها رضا الله ورسوله وآل بيته الأطهار (عليهم السلام)..

فطوبى لمن دعا لزرع المودة وصون الكرامة، وبوركت تلك الخطوات التي تسعى للتفاهم ومساندة الضعفاء والفقراء والأيتام؛ سيما ونحن نستظل بظلال شهر الله الفضيل، شهر القرآن الذي نزل هدىً ورحمة للعالمين. فبمثل هذا التكاتف تحيا الضمائر، وتزدهر البيوت، ويتحقق العيش الكريم.انتهى

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان