الراحل ،، باسم الشمري ــ أبا نبأ سلطان المحبة

2021-12-23
49

بقلم :جبار بچاي الحچامي 

 .كل نبوءة في قلبه تترجم على لسانه ..
الراحل إلى دار الخلود باسم الشمري، صحفي برمزية سلطان، سلطان للمحبة، فهو يتمتع بمحبة كبيرة وتقدير وإعتزاز من زملائه ومجايليه من الشباب ممن تعرفوا عليه أو عملوا معه سواء في الصحافة والإعلام أو في العمل الشبابي والمجتمعي والإنساني ..
ولد الراحل باسم فارس عبد الهادي آل وشاح الشمري في الأول من تموز عام 1965 في ناحية الفضّليّة التابعة إلى قضاء سوق الشيوخ بمحافظة ذي قار، ومن هناك ومن أرض باهيزة وهو لم يزل طفلا في القماط إرتحلت العائلة الكريمة إلى محافظة واسط وتحديدا مدينة الكوت نتيجة للتقلبات الإجتماعية والظروف الحياتية الصعبة آنذاك التي كانت تسود معظم مدننا لاسيما مدن الجنوب ..
في حي 14 تموز بمدينة الكوت عاش الراحل باسم الشمري الطفولة بمدها وجزرها ، فدرس في (مدرسة القدوة الإبتدائية) ثم (متوسطة التحرير) تاركاً في كل مرحلة دراسية ذكريات طيبة عند زملائه ومعلميه، كما هو إرث الذكريات الجميلة التي تركها بيننا بعد أن إختاره الله جلت قدرته ليكون بين رحمته في الثامن من تشرين الثاني من عام 2021 إثر عملية جراحية في القلب أجريت له في إحدى مستشفيات العاصمة اللبنانية بيروت، فكانت إرادة الله هي التي لباها الراحل بجوار الرب الرحيم ..
كانت الصحافة حلما من أحلام الراحل باسم الشمري، وسرعان ما إختط طريقها فيه عبر بوابة الملاعب حين كان يتردد على (ملعب الإدارة المحلية) في الكوت بعد أن أسس فريقا كرويا أسماه أصدقاء الكرة يشارك في البطولات المحلية التي كانت تقام أنذاك، وفي بعض الأحيان يتابع المباريات التي يحتضها الملعب، وأبتدأ هذه المحطة المهمة في حياته بالتعليق على مباريات دوري أندية الدرجة الأولى ضمن موسم 1992 ــ 1993 وعلَّق على الكثير من المباريات بالتنسيق مع (إستديو النوارس) في الكوت ..
وكانت تلك محطة مهمة أراد من خلالها الراحل باسم الشمري تقديم الدعم لـ (نادي الكوت الرياضي)، وبعدها أخذ يلتقي ويحاور اللاعبين والمدربين الكبار عند وجودهم في الملعب أمثال الراحل عمو بابا، وحسن فرحان، وآخرين غيرهم، فنَمَتْ عنده موهبة الصحافة وبدأ يزود بعض الصحف في بغداد بالأخبار الرياضية، وفي تلك المدة تعرف على الصحفيين الذين سبقوه في مجال الرياضة أمثال حميد عيدي، وسلام الظاهري، وجاسم العزاوي، حيث تعلم منهم مفهوم الصحافة الرياضية ..
وفي تلك الفترة إزداد تعلقه بالصحافة وأحبها كثيرا، وراح يقتني الصحف اليومية ليستفيد ويتعلم منها اسلوب كتابة الأخبار، وأخذ يتردد على بغداد وفي بعض المرات يقضي نصف إجازته العسكرية فيها يتنقل من مكان إلى آخر ومن صحيفة إلى أخرى ليتعلم ويستفيد من المختصين بالصحافة والإعلام ، فتعلم الكثير ممن سبقوه ..
عمل في صحيفة (واسط الإسبوعية) التي كانت تصدر قبل عام 2003 مندوبا للأخبار المحلية، ورافق في تلك الفترة جيل من الصحفيين الشباب الواعدين الذين شقوا طريقهم فيما بعد في مهنة البحث عن المتاعب منهم محمد الزيدي، وعلي القريشي، وجمعة عبد الحسين حطاب السعيدي، وآخرين غيرهم، وكان أقربهم إليه الدكتور محمد الزيدي ، حيث عملا سوية في متابعة الأخبار المحلية ..
كان الراحل باسم الشمري يستمع جيدا للملاحظات والجزئيات الصغيرة خلال تلك المدة، فتعلم الفنون الصحفية حتى كان يرغب بتعلم التصميم حين كان يتردد على (مكتب عبد الوهاب الكيلاني للتصميم) في بغداد الذي كان يتولى تصمم وطبع معظم الصحف الإسبوعية ومنها صحيفة (واسط الإسبوعية)، وصحيفة (نبض الشباب) التي عمل فيها الراحل الشمري مراسلا، وكما يقول في تصريحات إعلامية له أنه تعلم كثيرا من الزميل حامد الكيلاني شقيق الراحل عبد الوهاب اسماعيل الكيلاني ابو مهند ، والزميل الأستاذ الدكتور هاشم حسن التميمي، والزميل الطيب الأثير جبار بجاي حيث كان يعمل سكرتير تحرير في صحيفة (واسط الإسبوعية) ، وكان الراحل الشمري يذهب معه إسبوعيا إلى بغداد لمتابعة عملية التصميم والطباعة، وهناك تعرفت عليه وتعرف على عدد كبير من الصحفيين الرواد والشباب من جيله منهم الزميل عكاب سالم الطاهر، والراحل فلاح العماري، والزميل عبد حميد الكناني، والراحل فليح وداي مجذاب، وآخرين من بغداد ومختلف المحافظات، حيث كان (مكتب الكيلاني) يمثل الملتقى للصحف الإسبوعية التي كانت تصمم وتطبع عن طريق الراحل الكيلاني وشقيقه الشاب حامد الكيلاني المقيم حاليا في هولندا ..
طوّرَ الراحل باسم الشمري نفسه وأصبح مراسلا لبعض الصحف ومحطات التلفزة، كما ساهم بعد سقوط النظام السابق عام 2003 في تأسيس صحيفة (النهرين) التي صدرت حينها عن (فرع المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق)، وساهم معه في تلك الفترة عدد من الصحفيين الشباب لكنه كان رحمه الله (داينمو) العمل في الصحيفة التي ترأس تحريرها في ذلك الوقت الزميل منتصر الإمارة، وفي العام 2004 إنتمى إلى نقابة الصحفيين العراقيين في عهد النقيب الراحل شهاب التميمي ابو ربيع ، وأصبح عضوا في الهيئة الإدارية لـ (فرع النقابة) خلال الدورة السابقة، وعمل خلال السنوات الماضية في العديد من الصحف والمؤسسات الإعلامية المختلفة ..
أختير الراحل الشمري عام 2006 عضوا في هيئة تحرير مجلة (وصال) التي أسسها الزميل جبار بجاي وترأس تحريرها، وكانت أول مجلة تصدر في محافظة واسط تعنى في شؤون المرأة حصريا، وكان للراحل عمود شيق فيها بعنوان (حديث الصورة)، وكان من أعضاء الهيئة الإدارية الزملاء الزميل الراحل حامد المياحي ، والزميل حسن شهيد العزاوي، والزميل عامر ناجي، إضافة إلى عدد من الكُتاب المساهمين في المجلة منهم الزميل الأديب حميد الزاملي، والزميل يحيى نقي العتابي، وآخرين غيرهم ، وخلال تلك الفترة عمل مراسلا لبعض الصحف المحلية والوكالات الإخبارية ومنها (وكالة أنباء نينا) الذي إستمر يعمل فيها إلى حين إختاره الله جلت قدرته ليكون تحت رحمته في 8 تشرين الثاني 2021.
وفي العام 2006 أيضا عندما أسس الشاب الواسطي المهندس حيدر عبد علي الوائلي (موقع منتديات الكوت)، وكان حينها أول موقع الكتروني في محافظة واسط حيث أختير الراحل باسم الشمري مسؤولا للأخبار في الموقع، ولأنه يمتلك أفكارا جيدة كتب ذات يوم (مدَّونة) شرفية جاء فيها :
(أعزائي أعضاء منتديات الكوت نت : صار العدد بالمئات .. هذا شرف لنا .. تعالوا لنُقيّم من الأفضل في محافظة واسط .. لنصوت داخل المنتدى ونختار الأفضل، أفضل دائرة وأفضل شخصية وهكذا ..) ..
من هنا بدأت حكاية جديدة في حياة الراحل الشمري إسمها (الكوت نت) ..
إنها فكرة بسيطة تحولت إلى مهرجان كبير لتكريم المبدعين الواسطيين يقام سنويا، فدخل حتى كتابة هذه السطور دورته الـ 15 دون توقف وفي سياق ثابت لإختيار وتكريم المتميزين في المحافظة وفق إختيارات الجمهور، لكن المهرجان خرج هذه المرة عن نمطيته، ليكون مهرجانا لتأبين صاحب الفكرة ومؤسسه الراحل باسم الشمري وذلك من باب الوفاء له، ذلك الوفاء الذي يتجلى في نفوس زملائه في المنتدى وعناصر المهرجان القائمين عن تنظيمه سنويا وعلى رأسهم المهندس حيدر الوائلي ..
شارك الراحل باسم الشمري بتأسيس العديد من الروابط الشبابية، وقدم لها دعما معنويا كـ (رابطة شباب الفن) وغيرها من الروابط الأخرى، إضافة إلى مساهمته الفاعلة في المهرجانات الثقافية والرياضية والفنية كـ (مهرجان واسط السينمائي) الذي تقيمه سنويا (مؤسسة سنتر فن للسينما والمسرح) في النعمانية، إضافة إلى مشاركاته الكثيرة في (المنتديات) و(الدواوين) و(الورش) التي تقيمها مؤسسات المجتمع وغيرها من المؤسسات الأخرى في المحافظة، وكانت آخر رابطة أسسها، هي (رابطة الصحفيين الرياضيين في واسط) عام 2018 ..
نهل من أفكاره وتعلم الكثير من شباب واسط، علمّهم ودربّهم الفنون الصحفية والإعلامية وغرس الثقة بين الطامحين بالعمل الإعلامي وعرافة الإحتفالات والمهرجانات حتى أنه نأى بنفسه عن تقديم فقرات مهرجان (الكوت نت) خلال الدورة السادسة للمهرجان عام 2012 تاركا المجال أمام الشباب ليأخذوا دورهم في إدارة المهرجان، وكان سعيدا بهذا الإنجاز الشبابي، ففي ذات الدورة أخذ يُقبل الشباب ويمسح دموع فرحهم بنجاح بإدارة وتنظيم المهرجان بينما جلس رحمه الله ضيفا في آخر القاعة ..
كان الراحل باسم الشمري (أبو نبأ) نقيا وعذبا، وإنسانا متعاونا سلسا وسهلا، قليل الكلام، هادئ الطباع، يسأل عن أصدقائه ويتفقدهم عند الغياب، وإذا غاب أحدهم طويلا يحوّل ذلك الغياب أحيانا إلى متعة وسفرة ترفيهية على شرف الغائب .. هكذا كان .. رجل بمرتبة الإنسان ..
كان له حضور إجتماعي مُميز بشهادة الجميع، إذ كان رحمه الله حسن المعشر، يوجز القول في أحسنه وأصدقه وأنضجه، وكل نبوءة في قلبه تترجم على لسانه، حتى أنه تنبأ مسبقا بموته فأوجز تلك النبوءة برسالة بعثها لأصدقائه عشية مغادرته إلى بيروت في رحلة علاجية قادت إلى موته في الغربة يقول فيها :
(صباح الخير والعافية على وجوهكم الطيبة .. أخي العزيز … آني مسافر بعد غد الأربعاء إلى لبنان لإجراء عملية جراحية في القلب .. راجين منكم براءة ذمتي، وأسألكم الدعاء مع الود والتقدير) ..
الراحل باسم الشمري، حكاية طويلة ومهرجان قائم بذاته، حتى موته كان أعظم مهرجان للعزاء والحزن، إذ شُيّعَ تشيعا رسميا وشعبيا بهيا ــ مهيبا يُليق به وبمكانة عشيرته الكريمة وأهله وذويه الكرام، وترك فقده غصة كبيرة في القلوب تجاوزت حدود الألم والوجع وتيه الأفكار عند مُحبيه وأصدقائه، بكته الكوت وأرض الغري حيث وارى جثمانه الطاهرة في مقبرة وادي السلام وجوار مرقد الأمام علي بن أبي طالب عليه السلام ليشفع له عند رب رحيم كريم، ويظل قبره شاهدا تتجلى فيه سيرة ذلك الإنسان النبيل، كسلطان محبة يهرع إليه المحبون كلما قصدوا النجف الأشرف يبللونه بماء الورد ويشعلون حوله الشموع وأعواد البخور ويتلون الفاتحة ترحما لروحه الطاهرة ..
ولمكانته الكبيرة بين نفوس مُحبيه في بغداد، ولتردده على (مؤسسة الإعلام العراقي) كلما حلَّ ضيفا في بغداد، فقد شاركت المؤسسة عشيرته وأهله وذويه ومحبيه الحزن بإقامة مجلس عزاء على روحه الطاهرة بمقرها، حيث حضره مئات الصحفيين والإعلاميين والرياضيين والكُتاب والأدباء والمثقفين ووجوه إجتماعية أخرى كان بإستقبالها مدير عام المؤسسة الزميل حيدر حسون الفزع وشقيقه الدكتور الزميل رسول حسون الفزع وحشد المؤسسة من صحفيين وإداريين ..
كُتب في بغداد ــ الأربعاء 22 كانون الأول 2021 ــ لحساب موسوعة (صحفيون بين جيلين) الورقية المرتقبة الطبع قريبا بإذن الله .

 

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان