الجيش الابيض في واسط .. كرماء قدموا أنفسهم .. محجورون من غير إصابة

2020-05-15
344

 

العراق الحر نيوز

من يوميات واسطية في زمن الكورونا(18)

تقديم: جبار بچاي

ليس أمراً هيناً أن تقصد الموت بنفسك، ولا هي شجاعة أن تكون في ردهة الحجر الصحي لوباء يُصنف الاخطر عالمياً وأنت غير مصاب ، لكنّ التحري عن الحقيقة وتوثيقها لمن يعملون في أخطر الظروف وأصعبها هو الذي يدفعك لذلك ولا سبيل معك غير مستلزمات الوقاية.

مقاسات تلك المستلزمات من كفوف وكمامات وغطاء رأس ونظارات جيدة جداً، فقط البدلة ” مخبخبه ” ، ذكرتي بمهمة صحفية عام 1986 حين دخلت الى صالة العلميات في مستشفى تكريت العام المشابه لمستشفى الزهراء لمرافقة فريق طبي أجرى عملية رفع ورم من بطن مريض .

في تلك المرّة سيطر عليَّ خوف شديد .. سقطت الكاميرا من يدي ..لا أتذكر حينها أين أصبح القلم ودفتر الملاحظات .. غادرت صالة العمليات مسرعاً يدفعني الخوف ويركلني الخجل وأنا شاباً يافعاً وصحفياً في بداية الطريق.

السنوات خلقت بوناً شاسعاً .. جميل جداً أن ترافق الآن الابطال .. الفرسان .. الغيارى .. الشجعان .. خط الصد الاول .. حائط الصد .. أصحاب الغيرة .. الجيش الابيض من منتسبي صحة واسط عامة وأعزتها في ردهة الحجر الصحي في مستشفى الزهراء العام بمدينة الكوت لتقصي المواقف الايجابية بتعاون قدمه الاخ فراس كاظم عزيز، أحد الابطال في الردهة، إضافة الى مسؤول الردهة الاخ علي عجم حسوني.

لا أعرف أي وصف ولقب يستحقون ؛ فكل الاسماء والالقاب والأوصاف تقف خجلى أمامهم وهم الكرماء الذين قدموا أنفسهم وواجهوا كورونا بإرادة صلبة وشجاعة قلّ نظيرها وعاشوا ظروف الحجر الصحي بتفاصيله مع المصابين. أنهم الكوادر الطبية والتمريضية والساندة في ردهة الحجر.

بظهور أول إصابة في العراق لطالب حوزة ايراني في النجف الاشرف يوم الاثنين 24 شباط 2020 ، أصبحت واسط المحاذية لإيران على حافة الخطر بحكم منفذ زرباطية الذي يفد من خلاله يومياً آلاف العراقيين والايرانيين واستنفرت صحة المحافظة جهودها لمواجهة الوباء الذي انتشر سريعاً في الصين وعدد آخر من بلدان العالم وظهور إصابات كثيرة في الجارة ايران.

بالتزامن مع ذلك أعلنت صحة محافظة واسط يوم الثلاثاء 25 / 2 / 2020 ، عن حجر أربعة مواطنين في المحافظة كانوا على تماس مع المصاب الايراني، طالب المدرسة الدينية في النجف ووضعوا في العزل الصحي دون أن تظهر عليهم أي اعراض ..

من هنا كانت بداية الحكاية العظيمة للجيش الابيض في واسط ، وأول التحديات التي واجهت المحافظة عدم وجود مستشفى خاص للعزل ما دفع دائرة صحة واسط إلى اختيار مستشفى الكرامة التعليمي كمستشفى خاص للعزل والعلاج؛ ومع دخول أول مشتبه بمرض كورورنا إلى مستشفى الكرامة تظاهر أهالي تلك المنطقة ودخلوا للمستشفى للمطالبة بإخراجه رافضين استخدام المستشفى كمستشفى للعزل.

في المرة الثانية وقع الاختيار على مستشفى البتول ( المستشفى الجمهوري سابقاً ) لتكون مستشفى خاص للمصابين بكورونا لكن الاهالي في المناطق القريبة رفضوا أيضاً وتظاهروا أمام بوابته مهددين بإغلاقه.

هنا أصبحت الامور أكثر تعقيداً ما جعل الفريق الطبي في دائرة صحة واسط يعمل ليل نهار لإيجاد حل يرضى الجميع ويراعي الظروف الإنسانية للمرضى، فبعد اللقاءات المتكررة لخلية الازمة والجهد المميز من قبل المدير العام لصحة واسط، الدكتور جبار الياسري ومعاونه الدكتور سعدون الأمير وبحضور نقيب الأطباء الدكتور مهدي عبدالكريم ومدير مستشفى الزهراء التعليمي الدكتور نصير القريشي تم الاتفاق على اختيار مستشفى الزهراء لحجر المصابين بكورونا على أن يتم إخلائه كلياً.

نالت الفكرة رضا الأطباء الاختصاص والمقيمين وأيضا الممرضين والكوادر الساندة مع وجود بعض التحديات وتكرار التظاهرات من أهالي الاحياء القريبة ورفضهم لذلك، لكنه تم إيضاح الفكرة لهم بأن المرض لا يعدي الا بتواصل مباشر، الفيروس ينتقل بالرذاذ المتطاير عن طريق العطاس ومن خلال اللمس.

هل انتهت التعقيدات ؟

هل أصبحت الامور جيدة ؟

طبعا لا .

ثمة مخاوف واجهت بعض العاملين وخصوصا بعد رؤية المشاهد الصعبة للإصابات في الصين وإيران ودول أوربا لكنّ هناك من نذر نفسه وجعل منها مشروعاً رائعاً للإنسانية وخدمة أبناء محافظته.

كيف .؟

ومن هؤلاء الرائعين .؟

صباح أحد الايام وهاجس الوباء يدور هنا وهناك حصل اتصال ما بين مدير المستشفى د . نصير القريشي ورئيس ممرضين أقدم علي عجم حسوني الچليباوي مسؤول ردهة الامراض الانتقالية ؛ وتم استدعاء حسوني الى إجتماع طارئ وكان الاجتماع برئاسة الدكتور جبار الياسري، مدير عام صحة واسط وحضور معاونه الدكتور سعدون الامير والدكتور نصير القريشي والدكتور عمار شمال والدكتور فراس تركي إضافة الى ممرض فني محمد فاضل وتم النقاش حول فتح ردهة للمصابين بكورونا تكون معزولة عن المستشفى لتفادي الاصابة.

وسط هذه القامات الرائعة والمخلصة أنبرى رئيس ممرضين أقدم علي عجم حسوني الجليباوي هو وكادره التمريضي في الردهة الانتقالية رافد أبو شهد وأخوته وأعلنوا جاهزيتهم لاستقبال الحالات الموجبة، اي الاصابات المؤكدة.

في الاجتماع المذكور وجه مدير عام صحة المحافظة الدكتور جبار الياسري بأن تجهز الردهة بكل شيء وقال : ” لسانكم وما ينطق ولشيلون هم للصرف.”

هذه الخلية الرائعة من الاطباء اتفقت على اختيار بناية الطوارئ القديمة كونها معزولة تقريبا وفيها مكان واسع علماً ان البناية كانت مغلقه لعده سنوات وتم الإيعاز من قبل د . نصير أن تجهز البناية بوقت قياسي وتوجيه مسؤول الخدمات مالك كاظم وفريقة لإنجاز المهمة سريعاً.

باشر الفريق عمله ليلاً ونهاراً في تأهيل ردهة الحجر الصحي وبأشراف مباشر من قبل د . نصير القريشي وخلال 48 ساعة تم تجهيز الردهة بكل المستلزمات وظهرت بأفضل ما يرام وجهزت غرفة كل مريض في تلك الردهة بأسرة جديدة وثلاجة ولوكر ملابس وسبلت 2 طن وتلفزيون ، أي بمعنى كانت الامور الفندقية ممتازة جداً.

مع استمرار التداعيات وخطورتها عالمياً وتطور الوضع في العراق بهذا الوباء كثفت دائرة صحة واسط جهودها وتم تعزيز الردهة بكوادر أخرى وتوجيه الأطباء الاختصاص الباطنية والتنفسية بمراقبة المرضى على أن يكون طبيب باطنية ويرافقه طبيب تنفسية بجدول معين .

ظهور إصابات وحالات اشتباه في المحافظة دفع بتحويل الردهة من ردهة اشتباه الى ردهة للإصابات المؤكدة وتحويل ردهة الاشتباه الى مبنى النفسية وتجهزها بالكامل .

تم العمل على هذا الأساس لكن مع تزايد حالات الاشتباه كان القرار الجريء من قبل المدير د . نصير القريشي ان تتحول طوابق المستشفى الى ردهة اشتباه بسعة 400 سرير وردهة الوبائية ومستشفى الحروق تخصص الى حالات الاصابة المؤكدة وتم نصب 20 كرفان في ساحات المستشفى للاحتياط.

مع تزايد الإصابات في المحافظة تم استخدام الردهة المستحدثة لاحتواء المصابين وعلاجهم تحت اشراف الابطال من الكوادر الطبية والتمريضية يرافق ذلك متابعة حثيثة للحقوقي رياض دالي، المعاون الإداري في تقديم أفضل الخدمات الفندقية للراقدين من حيث نوعية الطعام والخدمات العامة الاخرى.

في المستشفى حاليا ردهتان واحدة لعزل المرضى المشتبه بهم وهي ردهة الأمراض الانتقالية بواقع ٢٠ سرير، وردهة بواقع ٢٤ سرير لعلاج الحالات المشخصة الموجبة وهي ردهة الحروق ويعمل الكادر التمريضي في الردهتين بنظام المناوبة بواقع ٢٤ ساعة عمل متواصل تعقبها استراحة لخمسة أيام .
قبل ذلك واجه السيد علي عجم حسوني مسؤول ردهة الكورونا بعض التحديات؛ منها تخوف الكوادر التمريضية بالعمل في الردهة ما اضطره إلى الاعتماد على كادره الخاص واستقبل فيما بعد بعض المتطوعين من القطاعات الاخرى لدائرة صحة واسط .

كما أن بعض المنتسبين كانوا يشغلون مناصب إدارية قبل الكرورنا ولكن تفانيهم لخدمة المرضى جعلهم يتنازلون من أماكنهم ويعملون كممرضين في ردهة الكورورنا.

كل تلك الاجراءات كانت تُتابع على مدار الساعة من قبل مدير عام صحة واسط الدكتور جبار الياسري ومعاونه الدكتور سعدون الأمير، المتحدث الرسمي لخلية الازمة مع متابعة قلّ نظيرها من مدير المستشفى الدكتور نصير القريشي وساهموا في تذليل العقبات وخلق الاجواء المناسبة للمصابين.

سنتناول في يوميات أخرى الدور الهام للسيدة جيهان حيدر، مسؤولة الصحة العامة بالمستشفى ودورها في أخذ العينات ومتابعتها وماهي المواقف التي واجهتها.

كما سنتناول لاحقاً وبالتفاصيل الموقف البطولي للدكتور فراس تركي مسؤول الباطنية في متابعة وعلاج المرضى وكذلك الدور المتميز للدكتور عمار شمال شويخ معاون مدير المستشفى في متابعة البروتوكولات العلاجية.

وسنذكر كل جهد مميز من رجال الصد الاول في ردهة الحجر الصحي وكل الابطال في صحة واسط ومنهم سائقي الاسعاف وغيرها.

التصنيفات : اخبار العراق
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان