الاعتدال في التعبير… فرح العيد بين الالتزام والمسؤولية

IFN
رئيس التحرير : رحيم زاير العتابي
في ظل ما تشهده بلداننا من أحداث متسارعة وتطورات متوترة، نتيجة الاعتداءات والصراعات التي طالت عددًا من الدول، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما خلّفته من دمار وخسائر إنسانية مؤلمة طالت شخصيات ورموزًا ومدنيين، وامتدت تداعياتها لتلامس واقع بلدان أخرى، ومنها العراق، تبرز حالة من التداخل بين مشاعر الحزن والواجبات الدينية.
ومع اختتام شهر رمضان المبارك وحلول عيد الفطر، يجد كثير من الناس أنفسهم أمام معادلة دقيقة، تجمع بين الوفاء لتضحيات الضحايا، والحفاظ على شعائر العيد، والتعبير عنها بروح من الاعتدال والمسؤولية.
وفي خضم ذلك، تبرز الحاجة إلى خطاب متزن يعكس وعيًا حقيقيًا بطبيعة المرحلة، ويعيد ضبط البوصلة الأخلاقية في التعبير عن الرأي، خصوصًا عند تناول المناسبات الدينية، وفي مقدمتها أفراح العيد.
إن الالتزام بآداب التعبير لم يعد خيارًا ثانويًا، بل يمثل ركيزة أساسية في بناء الوعي المجتمعي، لاسيما عندما تتقاطع مشاعر الفرح المشروع مع مشاهد الألم التي لا تزال حاضرة في واقع الأمة. وفي هذا السياق، يغيب عن بعض الطروحات ميزان دقيق طالما شكّل منهجًا راسخًا لدى الحوزة العلمية والمؤسسات الدينية الرصينة، وهو ميزان التكليف الشرعي المقترن بالحكمة الاجتماعية.
الجهات المعنية بإدارة العتبات المقدسة، وما يرتبط بها من مؤسسات، تمتلك رصيدًا معرفيًا وفقهيًا عميقًا، يجعلها في صلب فهم الشعائر الدينية، لا على هامشها. وعليه، فإن ما يصدر عنها من مواقف أو قرارات ينبغي أن يُقرأ ضمن سياقاته الأوسع، بعيدًا عن التفسيرات المتعجلة أو القراءات الانفعالية التي قد تُفرغ تلك المواقف من مضمونها الحقيقي.
إن تقليل بعض مظاهر الاحتفاء، أو تهذيب أجواء الفرح العلني في بعض الظروف، لا يمكن تفسيره بوصفه تعطيلًا لشعيرة العيد أو انتقاصًا من بهجته، بل هو تعبير واعٍ عن حالة تضامن إنساني، ومواساة صادقة لمجتمعات ما تزال تعيش تداعيات الفقد والمأساة. وهو نهج يعكس إدراكًا عميقًا لأولويات المرحلة، ويوازن بين حق الفرح وواجب الشعور بالآخر.
هذا المسار ليس وليد اللحظة، بل يمتد إلى تقاليد راسخة عرفتها المدارس الدينية في النجف الأشرف، حيث درج المجتمع، في أوقات الفقد الجلل، على تقليص مظاهر الحياة العامة حدادًا وتقديرًا، دون أن يُفهم ذلك على أنه تضييق على الشعائر أو انتقاص من الفرح المشروع، بل بوصفه تعبيرًا عن وعي جمعي يقدّم القيم على المظاهر، ويُعلي من شأن المسؤولية الأخلاقية.
في المقابل، يبقى إظهار الفرح وإحياء شعائر العيد من قبل عموم الناس أمرًا مشروعًا ومطلوبًا، يعكس تعظيمًا للشعائر وإحياءً للمعاني الروحية. غير أن هذا الفرح، في ظروف استثنائية، ينبغي أن يتسم بالاعتدال، وأن يُعبّر عنه بروح مسؤولة تنسجم مع الحالة العامة، بعيدًا عن المبالغة أو ما قد يُفهم بوصفه تجاهلًا لمعاناة الآخرين.
إن معيار التوازن لا يُقاس بارتفاع صوت الفرح أو انخفاضه، بل بمدى انسجامه مع القيم، وارتكازه على نية واعية وسلوك منضبط. فليس كل هدوء في المظهر حزنًا على حساب الدين، ولا كل صخب في الاحتفاء دليلًا على تعظيم الشعيرة، بل إن الميزان الحقيقي يكمن في الوعي والسياق والمقصد.
وفي خضم هذا التباين، تبقى المؤسسات الدينية، بما تمتلكه من خبرة متراكمة وامتداد تاريخي، الأقدر على تشخيص المصلحة، والأدرى بحدود التكليف، الأمر الذي يستدعي التعامل مع مواقفها بروح من الفهم والتقدير، بعيدًا عن الأحكام المتسرعة أو المزايدات.
رحم الله الشهداء، وجبر قلوب المفجوعين، وجعل أفراح العيد مساحة للوعي والتراحم، تعبّر عن إنسانية المجتمع وتحفظ جوهر الشعيرة دون أن تُفرّغها من معناها.
