اشكالية النشر بين منصات التواصل والعمل الصحفي المهني

ع.ح.ن IHN
بقلم: رحيم زاير العتابي
لم تعد بيئة النشر للاحداث والموضوعات اليوم مقتصرة على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل اتسعت لتشمل كل فرد يمتلك حسابًا على منصات التواصل الاجتماعي. هذا التحوّل خلق حالة من الازدواجية في مفهوم العمل الإعلامي، خاصة حين يصبح النشر الفيسبوكي بديلًا غير محسوب عن العمل الصحفي المحترف، مع ما يرافق ذلك من خلط كبير لدى الجمهور بين الرأي الشخصي والمادة الصحفية المنتجة وفق معايير مهنية واضحة.
جوهر العمل الصحفي يقوم على الإحاطة الشاملة بالحدث من خلال الحصول على إجابات واضحة من الأطراف كافة، وبناء تقرير متكامل يتناول المعطيات بدقة، ويمنح المتلقي معرفة موضوعية غير مبتورة. هذا الأساس ضروري لتجنب الاتهام بالاستهداف أو الابتزاز أو الإثارة، ويُعد الحد الأدنى الذي يُفترض أن يلتزم به كل من يعرّف نفسه بأنه صحفي.
المشكلة تبرز حين تُطرح القضايا العامة بسطحية عبر صفحات شخصية، دون الرجوع إلى الجهات المعنية أو استكمال خيوط الحدث. وفي الوقت الذي يظن فيه المتابعون أن صاحب المنشور يمارس عملًا صحفيًا مؤسسيًا، يتجاهل كثيرون أن النشر العشوائي في منصات غير مكفولة مهنيًا يضع صاحبه في موقع المساءلة المهنية، ويؤثر في ثقة الجمهور بالصحافة الحقيقية.
تزداد الإشكالية حين يعتمد بعض العاملين في الحقل الإعلامي على “الانتقاد من بعيد”، مكتفين بنشر تساؤلات أو اتهامات دون تدقيق أو متابعة، وهو ما يوقعهم في مخالفة صريحة لجوهر المهنة التي تقوم على السعي إلى الحقيقة لا إلى ردود الأفعال السريعة. وفي الوقت ذاته، يستمر الجمهور في التعامل مع هذا النوع من النشر بوصفه عملًا صحفيًا مشروعًا، مما يعزز صورة خاطئة عن الإعلام ويزيد من تراجع مستويات الثقة.
إن الصحافة، لكي تحافظ على هيبتها ودورها، يجب أن تُمارس داخل إطارها المؤسسي، عبر مؤسسات مسؤولة وقادرة على توثيق مصادرها ومواجهة أسئلتها بالأدلة والبيانات، لا عبر صفحات شخصية قد تثير الجدل أكثر مما تقدّم المعرفة. فالاتهام بالفساد أو التقصير ليس مجرد رأي يُطرح، بل مسؤولية مهنية تتطلب توثيقًا ومتابعة ومحاسبة قبل النشر وبعده.
إن إعادة ضبط العلاقة بين الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحت ضرورة مهنية ملحّة. فالصحافة ليست مساحة للـ«طشة» أو للشهرة اللحظية، ولا وسيلة لخلق معارك مفتوحة دون معلومات مؤكدة. هي مسؤولية تُمارَس بمهنية، وبمنهج واضح، وبخطوات دقيقة تبدأ من السؤال وتنتهي بالحقيقة.
