لو ضاع الميزان ..تاهت بيد الغُمان

2025-10-30
186

ع.ح.ن-IHN

رحيم العتابي

يعيش الناس اليوم دوّامة من التعب والخذلان، لا لأن الأيام قاسية بطبيعتها، بل لأن الميزان اختلّ، وتبدّلت الموازين التي تقوم بها الأمور. صار للكلام بريقٌ يغلب الفعل، وللمتملّق مكانةٌ تفوق المجتهد، وغاب عن المشهد من يعمل بصمتٍ وإخلاص.

في المقاهي والدوائر والأسواق تتردّد الشكوى ذاتها: تعبنا من وجوهٍ لا تعرف غير المظاهر، ومن قرارات تُدار على المزاج، ومن مناصب تُمنَح بالمحاباة لا بالكفاءة. فيقول أحد الجالسين وقد أشعل سيجارته بحسرة: “ها ديرة وظلت للغُمان” — وكأنه لخّص في جملة واحدة وجع الناس وملامح زمنٍ ضاع فيه الميزان.

الميزان تقييم به الناس الحقوق، ويُفرّق بين الجهد والادّعاء، بين العمل والضجيج، هو أوّل ما يتهاوى حين يتقدّم غير المستحق ويتراجع أهل الخبرة. حين يُقصى الشريف ويُكرَّم الماكر، وتُستبدل الكفاءة بالتطبيل، فاعلم أن الغُمان صاروا يتحكّمون بالمصير.

في أمثالنا الشعبية يُقال: “الطبل يُسمع، بس ما يطبخ عشا”، وهكذا حال كثيرين ممّن ملأوا الدنيا ضجيجًا وادّعاءً، لكنهم لم يتركوا خلفهم سوى الغبار. فقد تحوّل المشهد العام إلى استعراضٍ للألفاظ، وسباقٍ للمظاهر، وميدانٍ لمن يُجيد التمثيل لا العمل.

والمؤلم أن الناس بدأت تفقد ثقتها بكل شيء، حتى بأحلامها. ترى الموظف يكدّ ولا يُقدَّر، والمخلص يُحارَب لأنه لا يُجيد التلوّن، والشاب الشريف يُهاجر لأن الأبواب تُغلق بوجهه وتُفتح لغيره. وهكذا يُصبح الوطن في لحظة تيهٍ بين من لا يزن الأمور بميزانٍ منصف، ومن يبيع المبدأ بثمنٍ بخس.

لكن رغم كل ذلك، يبقى الأمل حيًّا، فالأرض التي أنبتت طيبين، ما تزال قادرة على أن تُنبت مثلهم. في الأزقة البسيطة، وفي المكاتب المتواضعة، هناك من يعمل بصمتٍ وإخلاص، يحفظ ماء وجه المهنة والبلد، ويقاوم الخراب بطريقته النزيهة.

هم أولئك الذين لا يطلبون شهرة، ولا يلهثون وراء الكاميرات، بل يزرعون الخير حيث يمرّون، مؤمنين أن الميزان سيعود يومًا إلى نصابه، وأن الغُمان مهما طال صَخبهم، سيتعبون أمام صمت المخلصين.

فالحقيقة لا تموت، وإن تأخّر نطقها، والعدل لا يُمحى وإن غاب عن العيون. سيبقى الصوت العاقل هو الدليل في زمن الفوضى، لأن الله لا يترك ديرة ضاع فيها الميزان، إلا ويهيّئ لها من يُقيمها من جديد.

التصنيفات : مقالات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان