لو سكت من لا يعلم… لسقط الخلاف

2025-10-31
197

ع ح ن Ihn

بقلم :صاحب العنزي

في زمنٍ يضج بالأصوات، وتكثر فيه المنابر والمنصات، تبرز مقولة خالدة من تراثنا الفقهي تنبض بالحكمة والواقعية: «لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف».

كلمات قليلة، لكنها تختصر وجع أمةٍ أرهقها الجدل، وامتحنها الغوغاء، وكأنها كُتبت لعصرنا هذا، حيث صار الكل يتحدث في كل شيء، حتى فيما لا يعلم.

هذه المقولة المنسوبة إلى بعض السلف الصالح، تحمل في طياتها درسًا بليغًا:

أن كثيرًا من الخلافات التي تمزق الصفوف، لا تأتي من اختلاف العلماء، بل من تطاول الجاهلين على ميادين لا يحسنونها.

فالعلماء حين يختلفون، يختلفون بأدبٍ وأصولٍ وضوابط، أما من لم يتأهل للقول، فإنه يثير ضجيجًا لا ثمرة له سوى الفتنة والتشويش.

 

 

القول بغير علم.. جذر الفوضى

 

 

القرآن الكريم حسم المسألة منذ قرون، فقال تعالى:

 

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]

ونهى سبحانه عن القول على الله بغير علم فقال:

﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

 

ففي الإسلام، السكوت عند الجهل ليس عيبًا، بل عبادة، والاعتراف بعدم المعرفة نصف العلم، كما قال بعض السلف.

 

ما أشد حاجتنا اليوم إلى إحياء هذا المبدأ، في زمنٍ صار فيه “منشور” على وسائل التواصل قادرًا على إشعال جدل ديني أو فكري أو اجتماعي واسع، دون علم أو تثبت.

لقد أصبح كل هاتف منبرًا، وكل مستخدم “مفتيًا”، وكل رأي “حقيقة”.

ولو أن الناس التزموا قاعدة السلف: «اسكت إن لم تعلم»، لانطفأت كثير من نيران الخلاف، ولعادت الهيبة إلى الكلمة،

الخلاف بين العلماء ظاهرة صحية، يُثري الفكر ويُنمّي الفهم، لأنه يقوم على اجتهاد وبصيرة.

لكن الخلاف الذي يخلّفه الجهل والتهور، لا يثمر إلا فرقةً وضلالًا.

فمن تكلم بغير علم أفسد أكثر مما أصلح، ومن سكت عن جهلٍ حفظ لنفسه ولغيره السلامة.

إن مقولة «لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف» ليست مجرد جملة تُروى، بل درس أخلاقي وفكري ينبغي أن يُدرّس في المدارس والجامعات والإعلام.

فهي دعوة إلى التواضع العلمي، واحترام التخصص، وتحكيم العقل قبل اللسان.

فلنُحسن الإصغاء قبل أن نتكلم، ولنجعل من الصمت عند الجهل موقفًا راقيًا لا علامة ضعف، حتى لا تضيع الحقيقة وسط ضجيج الأصوات

التصنيفات : مقالات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان