الإنفاق العام بين الإطلاق والتقييد

ع.ح.ن-IHN
بقلم: صاحب العنزي
يواجه رئيس الوزراء القادم اختبارًا مزدوجًا يتمثل في ضرورة خفض معدلات البطالة وتحسين مستوى الخدمات العامة، وهما ملفان متشابكان يرتبطان مباشرة بسياسة الإنفاق الحكومي. فالتوسع في الإنفاق قد يساهم في تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص عمل، لا سيما عبر مشاريع البنية التحتية والخدمات، لكنه في المقابل يثير مخاوف تتعلق بالعجز المالي والتضخم وسوء توجيه الموارد.
في المقابل، يفرض نهج تقييد الإنفاق انضباطًا ماليًا ضروريًا على المدى المتوسط والطويل، لكنه قد يفاقم البطالة ويؤدي إلى تراجع جودة الخدمات إذا لم يُقترن بإصلاحات هيكلية حقيقية وتحسين كفاءة الإدارة العامة.
التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الإطلاق أو التقييد، بل في إعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات الأكثر توليدًا لفرص العمل، ومكافحة الهدر والفساد، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يحقق توازنًا دقيقًا بين الاستقرار المالي والاستجابة للمطالب الاجتماعية.
نجاح رئيس الوزراء القادم سيتوقف إلى حد كبير على قدرته في إدارة هذا التوازن، وتحويل الإنفاق العام من عبء على الموازنة إلى أداة فعّالة للتنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطنين
تمثل البطالة، لا سيما بين الشباب والخريجين، تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي، إذ تعكس اختلالات هيكلية في سوق العمل وضعف قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل مستدامة. وغالبًا ما يُنظر إلى التوسع في الإنفاق الحكومي بوصفه حلًا سريعًا، عبر التعيينات في القطاع العام أو إطلاق مشاريع خدمية واستثمارية. غير أن هذا المسار، وإن كان يخفف من حدة الأزمة مؤقتًا، قد يفاقم الأعباء على الموازنة العامة ويكرّس اقتصادًا ريعيًا يعتمد على الدولة أكثر من اعتماده على الإنتاج.
في المقابل، تعاني الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، من تراجع في الكفاءة والجودة، رغم ما يُخصص لها من أموال سنويًا. ويكشف ذلك أن المشكلة لا تكمن في حجم الإنفاق وحده، بل في طريقة إدارته وتوزيعه. فالهدر، وضعف التخطيط، وغياب الرقابة الفعالة، عوامل تحوّل الإنفاق من أداة للتنمية إلى عبء بلا نتائج ملموسة.
سياسة تقييد الإنفاق، التي يدعو إليها بعض الخبراء، قد تكون ضرورية لضبط العجز المالي والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، لكنها تحمل مخاطر اجتماعية إذا طُبقت بصورة جامدة. فالتقشف غير المدروس قد يؤدي إلى تقليص فرص العمل وتراجع الخدمات، ما يزيد من حالة السخط الشعبي ويقوض الثقة بالحكومة.
من هنا، يبرز الخيار الأكثر واقعية في تبني سياسة إنفاق ذكية ومتوازنة، تقوم على إعادة ترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة والمشاريع التي تولد فرص عمل حقيقية، مع تحسين كفاءة الخدمات بدل الاكتفاء بزيادة مخصصاتها المالية. كما أن تعزيز دور القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمار، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، تمثل مسارات أساسية لتخفيف العبء عن الدولة وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
