المجاملات السياسية تقتل التوقيتات الدستورية

2026-02-10
40

IFN

بقلم: المستشار القانوني -صاحب العنزي

لم تعد أزمة التوقيتات الدستورية في العراق مجرّد خللٍ إجرائي أو تعثّرٍ عابر في العملية السياسية، بل تحوّلت إلى ظاهرة مزمنة تكشف عمق المأزق البنيوي الذي تعيشه الدولة منذ سنوات. فمع كل دورة انتخابية، يتكرر المشهد ذاته: تجاوز المدد الدستورية الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، تحت ذرائع “التوافق” و“التهدئة” و“منع الانسداد السياسي”، بينما الحقيقة أن المجاملات السياسية والصفقات غير المعلنة باتت أقوى من نصوص الدستور.

ينص الدستور العراقي بوضوح على مهل زمنية محددة تهدف إلى ضمان الانتقال السلس للسلطة ومنع الفراغ الدستوري. غير أن القوى السياسية اعتادت التعامل مع هذه المدد بوصفها إرشادات مرنة لا التزامات ملزمة، ما أفقد النص الدستوري هيبته، وحوّله من عقد حاكم إلى وثيقة قابلة للتأجيل والتفسير وفق مصالح الفاعلين السياسيين.

تُقدَّم المجاملات السياسية في الخطاب العام على أنها ضرورة وطنية لتجنب الصدام وحماية “السلم الأهلي”، لكنها في الواقع تؤدي إلى نتائج معاكسة تمامًا. فتعطيل الاستحقاقات الدستورية لا يمنع الأزمات، بل يراكمها، ويعمّق فقدان الثقة بين المواطن والدولة، ويعزز الإحساس بأن الشرعية السياسية لا تُستمد من الدستور أو صندوق الاقتراع، بل من غرف التفاوض المغلقة.

في ظل تفاقم الأزمة المالية، تبدو الحاجة ماسّة إلى تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة دون قيود تصريف الأعمال. فالإدارة الحالية المحدودة الصلاحيات غير قادرة على مواجهة تحديات الاقتصاد، أو معالجة الديون المتراكمة، أو ضبط الإنفاق الحكومي، مما يجعل كل يوم تأخير عبئًا جديدًا على المواطنين والاقتصاد الوطني.

إن أخطر ما في هذه المجاملات أنها تشرعن خرق الدستور تحت لافتة التوافق، وتحوّل الاستثناء إلى قاعدة. ومع كل خرق جديد، تترسخ قناعة مفادها أن الدستور يُطبَّق فقط عندما لا يتعارض مع مصالح القوى المتنفذة، أما حين يشكّل عائقًا أمام تقاسم النفوذ، فيُعلّق العمل به دون مساءلة حقيقية.

ولا يمكن فصل أزمة التوقيتات الدستورية عن منطق المحاصصة الذي يحكم النظام السياسي. فالصراع لا يدور حول البرامج أو الرؤى، بل حول المواقع والامتيازات، ما يجعل حسم المناصب العليا رهين توازنات معقدة تستغرق أشهرًا، يُدار خلالها البلد بحكومات تصريف أعمال محدودة الصلاحيات، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية.

كما أن غياب المحاسبة القانونية والسياسية عن خرق المدد الدستورية شجّع على التمادي في هذا السلوك. فلا البرلمان يتحمّل مسؤوليته كاملة، ولا القوى السياسية تبدي استعدادًا للتنازل لصالح احترام الدستور. والنتيجة دولة معلّقة بين نصوص قانونية لا تُحترم وواقع سياسي تحكمه المساومات.

إن استمرار هذا النهج يهدد جوهر العملية الديمقراطية في العراق. فالديمقراطية لا تقوم على الانتخابات وحدها، بل على احترام القواعد الدستورية التي تنظّم ما بعدها. وعندما تُفرَّغ هذه القواعد من مضمونها، تتحول الديمقراطية إلى واجهة شكلية تخفي وراءها نظامًا توافقياً هشًّا، عاجزًا عن إنتاج سلطة مستقرة وفاعلة.

إن إنقاذ العملية السياسية في العراق لا يبدأ بتكثيف المجاملات ولا بتدوير الأزمات، بل بالعودة الجادة إلى الدستور بوصفه مرجعية عليا لا تخضع للمساومة. فاحترام التوقيتات الدستورية ليس مسألة شكلية، بل اختبار حقيقي لمدى الإيمان بالدولة والقانون. وما لم تُكسر حلقة المجاملات السياسية التي تقتل الدستور بصمت، سيبقى العراق يدور في فلك الأزمات ذاتها، مهما تغيّرت الوجوه والعناوين.

التصنيفات : سياسية

اترك تعليقاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان