القراءة ودورها في تنمية القدرات

ع ح ن -IHN
بقلم :صاحب العنزي
تُعدّ القراءة من أعظم الأنشطة الإنسانية التي تسهم في بناء الذات وتنمية القدرات العقلية والوجدانية، فهي ليست مجرد انتقال للعين بين السطور، بل هي عملية شاملة تُثري العقل وتُهذّب الروح وتعمّق الوعي. فالإنسان الذي يقرأ يتطور بشكلٍ متسارع مقارنة بغيره؛ لأن القراءة توسّع مداركه وتفتح له نوافذ على عوالم وتجارب لم يعشها، وتمنحه القدرة على فهم الحياة من زوايا مختلفة.
ومن خلال القراءة يكتسب الفرد خبرات واسعة دون أن يخوضها كلها في الواقع، مما يجعله أكثر حكمة وقدرة على اتخاذ القرار. كما تُسهم القراءة في تعزيز القدرة على التحليل والتفكير النقدي، إذ تعوّد العقل على البحث والتنقيب والمقارنة بين المعلومات، وتمنحه حسًّا نقديًّا يجعله قادرًا على التمييز بين الحقيقة والزيف في زمن تتكاثر فيه المعلومات المغلوطة. ومن زاوية أخرى،
تُعدّ القراءة المصدر الأساسي لتنمية المهارات اللغوية والتعبيرية، فهي تُثري حصيلة الإنسان اللغوية وتُحسّن قدرته على صياغة الأفكار والتواصل مع الآخرين بأسلوب واعٍ وواضح. ومع تراكم المعرفة الناتجة عن القراءة، يتطوّر الخيال ويزداد الإبداع؛ لأن الاطلاع على أفكار وتجارب متنوعة يُنمّي القدرة على توليد حلول غير مألوفة والتفكير خارج حدود المألوف، وهو ما يجعل القراءة وقودًا دائمًا للإبداع في مختلف المجالات العلمية والأدبية. وإلى جانب ذلك، تؤثر القراءة بعمق في الجانب النفسي للإنسان، فهي تخفف التوتر وتعالج القلق وتمنح الذهن مساحة للراحة والتأمل،
كما تُسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على فهم ذاتها وإدارة مشاعرها. ومع مرور الوقت، يصبح القارئ أكثر وعيًا بمجتمعه وأكثر إدراكًا لدوره فيه؛ لأن القراءة توسّع الوعي الاجتماعي وتُعرّف الإنسان بقضايا مجتمعه وتجعله قادرًا على تقييم الأحداث بعقلانية لا بانفعال. ومن خلال الكتب، يكتسب الفرد قيمًا وأخلاقًا تُهذّب سلوكه وتجعله أكثر إنصافًا وتقبّلًا للآخر. وفضلًا عن كل هذا، تعلّم القراءة الإنسان الانضباط؛ فالمواظبة على القراءة تُنمي قدرة الفرد على التركيز والصبر وتنظيم الوقت، وهذه مهارات أساسية لأي نجاح حقيقي.
إن القراءة ليست هواية ثانوية، بل هي ركيزة أساسية لبناء عقل قوي وشخصية ناضجة ووعي مستنير. وكلما ازداد الإنسان قراءةً، ازدادت قدرته على بناء مستقبل أفضل لنفسه ولمجتمعه، لأن القراءة تُنير الطريق وتمنح الإنسان الأدوات الفكرية التي يحتاج إليها لكي يفهم العالم ويُسهم فيه بإبداع وفكر ووعي فالقراءة المستمرة تجعل الإنسان أكثر قدرة على تطوير مهاراته العقلية والعملية؛ فهي تُنمي الخيال وتفتح أبواب الإبداع، وتمكّنه من ابتكار حلول جديدة للمشكلات اليومية،
كما تعوّده التفكير المنطقي واتخاذ القرارات السليمة بعيدًا عن العشوائية أو التأثر السريع بغيره. ومع التقدم في القراءة تتعمّق خبرات الفرد وتتسع معارفه، مما يرفع كفاءته في العمل ويزيد من فرص نجاحه في الحياة العلمية والعملية. ومن جهة أخرى، تسهم القراءة في بناء وعي اجتماعي وإنساني ناضج، فهي تُعرّف الإنسان بقضايا مجتمعه وتجعله أكثر حساسية تجاه ما يحدث حوله، كما تمنحه قدرة على فهم تجارب الآخرين والتفاعل معها بروح أكثر إنصافًا وتعاطفًا. وهكذا تتكامل المعرفة مع الوعي، ليتشكل إنسان متزن مدرك لقيمته ودوره، قادر على التأثير الإيجابي في محيطه.
ومن ثم فإن القراءة ليست مجرد وسيلة للتسلية أو لملء الفراغ، بل هي ممارسة ترتقي بالإنسان وتمنحه قوة داخلية تجعله أكثر وعيًا بذاته وأكثر استعدادًا لصنع مستقبله بإرادة ووعي وثقة.
