الطبيعة القانونية لمخصصات الخدمة الجامعية وإشكالية قصرها على المتفرغين للتدريس

ع.ح.ن-IFN
بقلم: صاحب العنزي
يُعد مبدأ المشروعية من المبادئ الدستورية المستقرة في الفقه والقضاء، ويقضي بخضوع جميع السلطات العامة، بما فيها السلطة التنفيذية، لأحكام الدستور والقانون، وعدم جواز المساس بالحقوق أو تعديل المراكز القانونية إلا وفق الآليات الدستورية وبالأدوات التشريعية المختصة، وفي هذا السياق تبرز إشكالية قصر مخصصات الخدمة الجامعية المنصوص عليها في قانون الخدمة الجامعية رقم (23) لسنة 2008 على المتفرغين للتدريس بقرار صادر عن مجلس الوزراء، إذ إن هذه المخصصات تُعد حقاً مالياً أقره المشرّع بنص قانوني نافذ، ولا يجوز إلغاؤه أو تقييده أو الانتقاص منه إلا بقانون وبذات المرتبة التشريعية التي أنشأته، وهو ما استقر عليه قضاء المحكمة الاتحادية العليا عندما أكدت في اتجاهات قضائية متعددة أن الحقوق المقررة بقانون لا يجوز للسلطة التنفيذية المساس بها بقرارات تنظيمية.
كما أن المادة (80) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 حصرت اختصاص مجلس الوزراء في إصدار الأنظمة والتعليمات والقرارات لغرض تنفيذ القوانين، دون أن يمتد ذلك إلى تعديل النصوص القانونية أو استحداث قيود لم ينص عليها المشرّع، وقد قررت المحكمة الاتحادية العليا أن أي خروج عن هذا الإطار يُعد تجاوزاً للاختصاص ومخالفة صريحة للدستور، فضلاً عن مخالفته لمبدأ تدرج القواعد القانونية الذي يجعل القانون في مرتبة أعلى من القرارات الإدارية، وهو مبدأ كرسته المحكمة ذاتها عندما ذهبت إلى أن القرارات التي تُفرغ النصوص القانونية من مضمونها تُعد مخالفة لمبدأ سيادة القانون مهما كانت المبررات التنظيمية أو المالية التي تُساق لتبريرها، إذ إن الاعتبارات المالية أو متطلبات الموازنة العامة لا تصلح بذاتها سنداً لتقييد حق قرره المشرّع إلا بقانون لاحق صريح.
ويزداد هذا الإشكال خطورة إذا ما لوحظ أن اعتماد شرط التفرغ للتدريس كقيد لاستحقاق مخصصات الخدمة الجامعية، دون أن يكون هذا القيد وارداً في القانون، يمثل إنشاءً لقاعدة قانونية جديدة من قبل السلطة التنفيذية، وهو ما يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات الذي أكدت المحكمة الاتحادية العليا أنه ليس مبدأً شكلياً، بل ضمانة جوهرية تمنع تغول سلطة على أخرى تحت أي عنوان. ولا تقف خطورة هذا النهج عند حدود المخالفة الدستورية والقانونية، بل تمتد إلى آثار مجتمعية ووطنية أعمق، إذ إن استهداف شريحة حملة الشهادات العليا، ولا سيما العاملين في الحقل الجامعي والبحثي، من خلال تقليص حقوقهم القانونية أو زعزعة استقرارهم الوظيفي والمالي، يؤدي عملياً إلى إضعاف الحافز على التعليم العالي والبحث العلمي، ويبعث برسالة سلبية مفادها أن الاستثمار في العلم والمعرفة لا يحظى بالحماية الكافية، بما يفضي تدريجياً إلى قتل الرغبة في التحصيل العلمي والإبداع البحثي، ويشجع على الهجرة الأكاديمية أو العزوف عن العمل الجامعي، وهو ما يتعارض مع الالتزامات الدستورية للدولة في دعم التعليم والبحث العلمي بوصفهما ركيزتين أساسيتين للتنمية والاستقرار.
وتزداد خطورة صدور مثل هذه القرارات في توقيت سياسي وأمني حساس، يتمثل في مرحلة الحوارات لتشكيل حكومة جديدة، وفي ظل أوضاع إقليمية مضطربة وتهديدات أمنية قائمة، إذ يفترض في هذه المراحل تعزيز الثقة والاستقرار المؤسسي، لا اتخاذ إجراءات تزعزع الاستقرار الاجتماعي والوظيفي، وتفتح جبهات توتر داخلية غير مبررة، بما ينعكس سلباً على السلم المجتمعي وهيبة الدولة. وبناءً على ذلك، فإن قصر مخصصات الخدمة الجامعية على المتفرغين للتدريس بقرار من مجلس الوزراء، دون تعديل تشريعي صريح، لا يشكل فقط مخالفة لأحكام قانون الخدمة الجامعية رقم (23) لسنة 2008 وتجاوزاً لاختصاصات السلطة التنفيذية، بل يمثل توجهاً يحمل مخاطر دستورية وتنموية وأمنية غير مباشرة، الأمر الذي يقتضي إعادة النظر فيه عبر المسار التشريعي الدستوري السليم، صوناً لمبدأ المشروعية، وحمايةً لحقوق حملة الشهادات العليا، وترسيخاً لدولة القانون والمعرفة والاستقرار في آن واحد.
