الحزن والبكاء… طابعٌ ومطبوعٌ بين العراق والعراقيين

IFN
بقلم : المستشار القانوني صاحب العنزي
ليس الحزن في العراق حالة طارئة، ولا البكاء ردّة فعل عابرة على فاجعة مفردة، بل هو سياق عام، ومناخ نفسي واجتماعي تشكّل عبر عقود طويلة من القهر والحروب والانكسارات. كأن الحزن أصبح طابعًا يُختم به الزمن العراقي، ومطبوعًا في الوجدان الجمعي قبل أن يُطبع في ملامح الوجوه.
العراقي لا يتعلّم الحزن، بل ينشأ وهو مألوف لديه. منذ الطفولة، يتشرّب أخبار الموت والفقد، يسمع أسماء الحروب قبل أسماء الألعاب، ويكبر على صور الجنائز أكثر مما يكبر على صور الاحتفالات. ومع تكرار الصدمات، يتحوّل البكاء من فعل فردي إلى سلوك اجتماعي شبه طبيعي، لا يُستنكر ولا يُخفى، بل يُمارس أحيانًا بصمت ثقيل، وأحيانًا بعويلٍ جماعي يختصر ما عجزت الكلمات عن قوله.
لقد مرّ العراق بتجارب قاسية جعلت الإنسان فيه في حالة حداد مفتوح: حروب متلاحقة، حصار خانق، عنف داخلي، فساد، وفقدان دائم للأمان. هذه التراكمات لم تترك أثرها على الاقتصاد والسياسة فقط، بل حفرت عميقًا في النفس العراقية، فصنعت إنسانًا متعبًا، حذرًا، سريع الانكسار، لكنه في الوقت ذاته شديد الإحساس، مرهف المشاعر، عميق النظرة إلى الحيا
الحزن والبكاء، من حيث الأصل، ليسا ظاهرتين سلبيتين، بل استجابتان إنسانيتان طبيعيتان للفقد والضغط والعجز. الإنسان يبكي عندما يشعر بأن الواقع أثقل من قدرته على الاحتمال، أو حين يُسلب منه الإحساس بالسيطرة والأمان. نفسيًا، البكاء آلية تفريغ، يحاول بها العقل تخفيف التوتر وحماية الذات من الانهيار. واجتماعيًا، هو نداء غير مباشر لطلب التعاطف والاحتواء، حتى لو لم يُنطق بالكلام.
لكن حين تتكرر أسباب الحزن، ويتحوّل الألم من حادثة إلى نمط حياة، تتغيّر وظيفة البكاء. لا يعود مجرّد ردّة فعل، بل يصبح جزءًا من التكوين النفسي للفرد والجماعة. هنا يمكن فهم الحالة العراقية.
تاريخيًا، عاش العراقيون على أرضٍ لم تعرف الاستقرار الطويل. موقع العراق جعله مسرحًا دائمًا للصراعات، من الغزوات القديمة إلى الحروب الحديثة. تعاقُب العنف والانهيارات السياسية زرع في الذاكرة الجمعية شعورًا دائمًا بعدم الأمان، وكأن الفقد احتمالٌ قائم في كل لحظة. هذا التاريخ الطويل من الصدمات كوّن نفسية جماعية تتوقع الأسوأ حتى في أوقات الهدوء.
نفسيًا، أدّت هذه التراكمات إلى ما يشبه “الحزن المزمن”. الفرد العراقي لا يحزن فقط على ما فقده، بل على ما يتوقع فقدانه مستقبلًا. الخوف من التكرار، من الخسارة القادمة، يولّد قلقًا دائمًا، والبكاء هنا ليس على حدث واحد، بل على سلسلة كاملة من الإخفاقات المؤجلة. لذلك نلاحظ أن حزن العراقي غالبًا عميق وصامت، لا صاخبًا وعابرًا.
اجتماعيًا، لعبت البيئة دورًا حاسمًا في تطبيع الحزن. المجتمع الذي يعيش تحت ضغط مستمر يطوّر ثقافة تتعايش مع الألم بدل أن تواجهه. الجنائز أكثر من الاحتفالات، والخطاب العام مشبع بالمظلومية، والذاكرة الشعبية مليئة بقصص الفقد. هذا لا يعني أن العراقيين يعشقون الحزن، بل أنهم لم يُمنحوا فرصة حقيقية للتصالح مع الفرح دون خوف من زواله.
كما أن ضعف العدالة، وانكسار الثقة بالدولة والمؤسسات، عمّق الشعور بالعجز. حين يشعر الإنسان أن صوته لا يُسمع، وأن ألمه لا يُنصف، يتحوّل البكاء إلى بديل عن الفعل. هو تعبير عن احتجاجٍ مكبوت، وعن غضبٍ لم يجد طريقه إلى التغيير.
في المحصلة، فإن الحزن والبكاء عند العراقيين ليسا سمة فطرية ولا قدرًا جينيًا، بل نتيجة تاريخٍ قاسٍ، وضغطٍ نفسي متراكم، وبنية اجتماعية اعتادت التكيّف مع الألم أكثر مما اعتادت معالجته. والبكاء، في هذا السياق، ليس علامة ضعف، بل دليل على أن الإنسان العراقي، رغم كل ما مرّ به، لم يفقد حساسيته ولا قدرته على الشعور… وهي آخر ما يتبقى قبل أن يتحوّل الألم إلى قسوة.
