” الاستوديو الشخصي “: هل جعل الصحافة تبتذل على أرصفة التواصل الاجتماعي

IFN
بقلم: رحيم زاير العتابي
لم يعد التحدي الذي يواجه العمل الصحفي اليوم مرتبطًا بضيق مساحة الحريات بقدر ما أصبح متعلقًا بالفوضى الإعلامية التي أربكت المفاهيم وخلطت بين المهنة والهواية، وبين العمل المؤسسي والممارسة الفردية . في ظل هذا المشهد، برزت ظاهرة يمكن تسميتها بـ”الاستوديو الشخصي “، حيث يعمد بعض الأفراد إلى إعداد زوايا مصوّرة داخل غرف مغلقة، مزودة بديكورات وإضاءة تحاكي القنوات الفضائية، في إيحاء بصري يوهم المتلقي بأنه أمام منصة إعلامية معتمدة.
هذا المشهد لا يقف عند حدود الشكل، بل يتجاوزه إلى ممارسة أدوار تتصل بجوهر العمل الصحفي من دون غطاء قانوني أو إطار تنظيمي. إذ يتقمص البعض صفة “السلطة الرابعة”، مطلقين الأحكام، وموجهين الاتهامات، وممارسين دور القاضي والجلاد في آن واحد، بعيدًا عن أبسط قواعد التحقق والتوازن المهني.
نقابة الصحافة … الإطار الشرعي للمهنة
الصحافة ليست نشاطًا حرًا بلا ضوابط، بل مهنة لها محددات أخلاقية وأسس قانونية أرستها نقابة الصحفيين بوصفها الممثل الشرعي للمهنة والضامن لسلامة ممارستها. تحت مظلة النقابة تعمل آلاف الملاكات الصحفية ضمن أطر تنظيمية واضحة، تحكمها سياسات تحريرية، ومسؤوليات قانونية، ومعايير راسخة تضمن حق المجتمع في المعلومة وتحمي في الوقت نفسه كرامة الأفراد والمؤسسات.
وجود هذا الإطار ليس شكليًا، بل هو صمام أمان يحفظ للمهنة هيبتها، ويصون حرية التعبير من الانزلاق نحو الفوضى أو التشهير أو توظيف المنصات لأغراض شخصية.
خديعة الشكل… وإرباك المتلقي
الإشكالية تبدأ حين يُستخدم “الشكل” بديلاً عن “المضمون”. فالديكور والإضاءة والكاميرا لا تصنع عملًا صحفيًا ما لم يستند الطرح إلى معايير مهنية واضحة ،فالصحافة الحقيقية مسؤولية قبل أن تكون حضورًا بصريًا، وهي التزام قانوني وأخلاقي قبل أن تكون بثًا .
نجد أن البث الفردي يتحول في بعض الحالات إلى مساحة لعرض قضايا من زاوية واحدة، أو يكون اشبه بمحاكمة أشخاص اومؤسسات دون استكمال عناصر التحقيق، أو الايحاء بمنح حق الرد ،وحقيقة ذلك لاتكمن الا ضمن إطار مهني معتمد لا يُمارس ارتجالًا، بل يُكفل عبر وسيلة إعلامية مسؤولة، تخضع لإدارة تحريرية تتحمل تبعات ما يُنشر أو يُبث.
بين حرية التعبير والعمل الصحفي
حرية التعبير حق أصيل ومكفول، غير أن الخلط بينها وبين العمل الصحفي يمثل خطأ مفاهيميًا خطيرًا. فليس كل من امتلك حسابًا شخصيًا وأطلق رأيًا يُعد بمثابة ممارسة صحفية، ونخص في حالة الظهور بصفة إعلامية عبر صفحة خاصة شخصية،كون ذلك لا يمنح للمتحدث حصانة مهنية.
عندما تُطرح اتهامات أو تُناقش قضايا حساسة خارج الأطر المؤسسية المعترف بها، فإن المسؤولية تقع على عاتق الفرد بصفته الشخصية، لا بصفته المهنية. ومن حق أي متضرر اللجوء إلى الوسائل القانونية، لأن النشاط يجري خارج مظلة العمل الصحفي الأصولي.
مسؤولية المرحلة
إن استمرار هذه الممارسات دون وعي مهني كافٍ يضعف ثقة الجمهور بالإعلام الجاد، ويشوّه صورة “مهنة المتاعب” التي تأسست على البحث والتحقق والإنصاف. فضلا عن مهامها الاساسية بالدفاع عن الصحافة لا يكون بالشعارات، بل بالالتزام بقواعدها والعمل من داخل مؤسساتها المعتمدة.
من يمتلك الكفاءة والصفة المهنية، فميدانه الطبيعي هو الوسائل الإعلامية المرخصة، وتحت مظلة النقابة التي تمنحه الحماية والتوجيه والشرعية. أما الاكتفاء بالبث الفردي من فضاءات شخصية مغلقة، فهو انتقال من العمل المؤسسي المنظم إلى ممارسة رقمية شعبوية لا تحكمها ضوابط المهنة ولا تحميها قوانينها.
