إيداع أموال النفط العراقية لدى الولايات المتحدة الأمريكية بين تقنية الإجراء وقيود التصرف

2026-02-14
6

 

IFN

بقلم المستشار القانوني: صاحب العنزي

أن هذا الإيداع ليس إجراءً تقنياً عابراً في إدارة العوائد النفطية، بل هو مسألة ذات أبعاد مالية وقانونية وسيادية معقدة تعود جذورها إلى مرحلة ما بعد عام 2003 حين أُنشئ صندوق تنمية العراق بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي، وربطت العوائد النفطية العراقية بحسابات تُدار عبر النظام المالي الأميركي وتحديداً من خلال الاحتياطي الفدرالي في نيويورك وفقاً لما يقال لضمان الشفافية وحماية الأموال من الدعاوى والمطالبات الدولية،

وبموجب تلك الترتيبات أصبحت عائدات بيع النفط العراقي – الذي يُعد المصدر الرئيس للموازنة العامة بنسبة تفوق 90% – تمر عبر قناة مصرفية خاضعة للرقابة الأميركية، وهو ما أفرز واقعاً مزدوجاً؛

فمن جهة وفّر مظلة قانونية دولية حالت دون الحجز العشوائي على الأصول العراقية في مرحلة كانت فيها البلاد مثقلة بالديون والتعويضات والنزاعات،

ومن جهة أخرى وضع جزءاً مهماً من السيادة المالية تحت تأثير نظام الامتثال والرقابة الأميركي المرتبط بقوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وأنظمة العقوبات الدولية هذا حسب المعلن .

إن المدافعين عن بقاء الأموال في تلك الحسابات يسوقون حجج تتعلق بالاستقرار المالي وضمان الثقة العالمية بالمعاملات النفطية العراقية، فالتسعير والتسوية تتم بالدولار الأميركي ، بداعي ان الاحتفاظ بالعوائد ضمن النظام المصرفي الأميركي يسهّل عمليات التحويل ويمنح درجة عالية من الأمان المؤسسي والرقابي ويطمئن الشركات العالمية المتعاملة مع العراق على حد قول المؤيدين ، كما أنه يقلل من مخاطر التعرض لدعاوى قضائية مفاجئة قد تستهدف أصولاً مودعة في ولايات قضائية أخرى أقل حماية.

في المقابل يرى منتقدو هذا الترتيب أن استمرار إيداع الأموال في الولايات المتحدة بعد زوال المبررات الاستثنائية الأولى يقيّد حرية العراق في إدارة سياسته النقدية والمالية، إذ تخضع عمليات السحب والتحويل لآليات تدقيق مشددة قد تؤخر أو تعرقل استخدام الأموال في بعض الحالات، كما أن الاعتماد شبه الكامل على قناة واحدة يزيد من مخاطر التبعية ويحدّ من تنويع الاحتياطيات السيادية،

فضلاً عن أن مفهوم السيادة المالية يفترض تمكين الدولة من التحكم الكامل بمواردها دون اشتراطات خارجية، حتى وإن كانت تلك الاشتراطات ذات طابع فني أو امتثالي.

لكن يمكن القول بأن اتخاذ قرار بفك الارتباط بين عوائد النفط العراقي والنظام المالي الأميركي يمثل خطوة استراتيجية تشبه في أهميتها قرار تأميم النفط الذي اتخذه العراق في سبعينيات القرن الماضي، فهو ليس مجرد حركة مصرفية أو مالية بل تحول سيادي له أبعاد اقتصادية وقانونية وسياسية بالغة التعقيد، إذ سيعني هذا القرار أن العراق سيستعيد السيطرة المباشرة على أمواله النفطية ويعيد توجيهها وفق أولوياته الوطنية دون خضوع لإجراءات التدقيق والقيود الأميركية،

ومن منظور مصرفي فإن القرار يتطلب إنشاء نظام محلي أو إقليمي موثوق لإدارة الاحتياطيات بالعملات الصعبة وتنويعها لتقليل مخاطر التبعية،

وكذلك بناء قدرة رقابية متقدمة لضمان الشفافية وتأكيد المصداقية لدى الشركاء الدوليين، ومن الجانب النفطي فإن فك الارتباط سيمكن العراق من إدارة العوائد بما يتوافق مع استراتيجيات الإنتاج والتصدير وأسعار السوق الدولية، مع الحفاظ على القدرة على استخدام النفط كأداة تنموية وسياسية، أما من الناحية الواقعية فإن خطوة إعادة التحكم الكامل بالأموال النفطية تحمل مزايا كبيرة في استعادة السيادة المالية والسيطرة على السياسات الاقتصادية، لكنها تتطلب موازنة دقيقة بين الحرية الوطنية والمخاطر الدولية،

فالمصلحة العليا من هذه الخطوة تكمن في تمكين العراق من أن يكون صاحب القرار الأول والأخير في إدارة ثروته النفطية، بحيث تتحول العوائد إلى أداة حقيقية للتنمية الوطنية والاقتصاد المستقل، بعيداً عن أي تبعية أو قيود خارجية، وهو ما يعيد العراق إلى موقعه الذي كان يشغله خلال حقبة تأميم النفط، حيث كانت الموارد الوطنية أداة مباشرة للتنمية والسيادة، لكن مع استغلال الخبرات المصرفية والقانونية الحديثة لضمان استقرار العمليات المالية وحماية الاحتياطيات من أي هزات أو دعاوى مستقبلي.

كما يستوجب اذا ما قرر العراق فك الارتباط واستعادة التحكم الكامل بأموال النفط من الضروري فتح قنوات تفاوض واتصال مباشر مع الدول والأطراف التي تطالب بتعويضات أو لها مطالبات مالية، إذ أن أي تحرك أحادي دون التواصل مع هذه الجهات قد يؤدي إلى نزاعات قانونية أو إجراءات قضائية دولية، لذلك يُستحسن أن يتم ذلك عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية لضمان الالتزام بالإطار القانوني الدولي وحماية السيادة الوطنية، وفي الوقت نفسه يمكن الاستعانة بشركات استشارية دولية متخصصة في الشؤون المالية والقانونية والطاقة لتقديم المشورة الاستراتيجية في كيفية إدارة هذه المفاوضات،

بما يشمل تقييم الالتزامات، وضع خطط تسوية مرحلية، وصياغة اتفاقيات تضمن الحد الأدنى من المخاطر، كما تساعد هذه الشركات على توفير خبرة فنية في تقييم التعويضات والتزامات الديون، وابتكار حلول مثل خطط الدفع المرنة أو ترتيبات الضمانات التي تحافظ على استقلالية العراق المالية وتقلل من أي تأثير على السياسات الاقتصادية الداخلية، وبالتالي فإن الجمع بين الدبلوماسية النشطة والاستشارة الدولية المتخصصة يمثل آلية ضرورية لتحقيق فك الارتباط بنجاح، ويحول عملية استعادة السيادة المالية إلى خطوة محسوبة وواقعية، بعيداً عن أي صدامات قانونية أو سياسية محتملة قد تهدد استقرار الاقتصاد العراقي

كما يمكن للعراق تقديم عروض عملية للدول الدائنة تشمل فتح باب الاستثمار ضمن مشروعات استراتيجية في البلاد، مع توفير تسهيلات مجزية لجذب رأس المال الدولي،

وهو أسلوب يجمع بين حماية السيادة المالية وتسوية الالتزامات الخارجية بطريقة بنّاءة، فبدلاً من مواجهة المطالبات بالتقاضي فقط أو الدفع الفوري، يمكن تحويلها إلى شراكات استثمارية تحقق عوائد اقتصادية مزدوجة؛ للدولة العراقية وللدائنين،

كما أن منح تسهيلات مثل الإعفاءات الضريبية، أو تسهيلات التمويل، أو منح حصص استثمارية في مشاريع البنية التحتية والطاقة، يرفع من مصداقية العراق في الأسواق الدولية ويخلق حوافز للدائنين للمساهمة في التنمية الوطنية بدل أن يقتصر دورهم على تحصيل مستحقاتهم، ومن الناحية الاستراتيجية فإن هذا النهج يعيد صياغة العلاقة مع الدائنين من علاقة طرف يطالب بحقوقه إلى شراكة متبادلة المنفعة، ويتيح للعراق الاستفادة من خبرات الشركات الدولية في إدارة المشاريع الكبرى، بينما تظل الموارد المالية النفطية تحت سيطرة الدولة وتُستخدم لتعزيز الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية،

وهو ما يعكس رؤية متوازنة تجمع بين السيادة، الاستقرار المالي، وجاذبية الاستثمار الخارجي، مع الحفاظ على حرية العراق في تحديد أولوياته الاقتصادية والاستراتيجية بعيداً عن قيود أو ضغوط خارجية مباشرة

التصنيفات : مقالات

اترك تعليقاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان