إما نجاح أو نجاح… عقيدة المقاطعين

2025-10-23
356

رحيم الزاير

تُعدّ المقاطعة للانتخابات في جوهرها موقفًا فكريًا قبل أن تكون فعلًا سياسيًا، فهي تأسيس لحالة من الرفض الواعي تجاه الأخطاء المتراكمة في منظومة الحكم والإدارة، ورفض طويل الأمد لنهج لم يقدّم إصلاحًا حقيقيًا رغم تعاقب التجارب. قد لا تُرى نتائج المقاطعة في الحاضر القريب، لكنها تمثل نواة لتحوّل مستقبلي أشبه بما شهدته حركات الرفض الكبرى في التاريخ، تلك التي أُنكرت في بداياتها ثم تحوّلت مع مرور الزمن إلى منجزات إنسانية عظيمة.

فحركات مناهضة العنصرية مثلًا احتاجت عقودًا من الزمن حتى أثمرت، ولم يجنِ مؤسسوها الثمار بأيديهم، لكن التاريخ أنصفهم وسجّل أسماءهم في الذاكرة الجمعية للبشرية، لأنهم وضعوا اللبنة الأولى للتغيير.

في فلسفة المقاطعين، لا يمكن أن تكون المقاطعة إلا شكلًا من أشكال النجاح، فنتائجها – بنظرتهم – لا تخرج عن احتمالين، وكلاهما يقود إلى الغاية المنشودة.

النتيجة الأولى – المعاصرة:

قد تُحدث المقاطعة صدمة إيجابية لدى الساسة الحاليين، فتدفعهم إلى مراجعة سياساتهم وتصحيح المسار السياسي والإداري للبلد، لإثبات خطأ نظرية المقاطعين. وهذا بحد ذاته نجاح، لأن الهدف الأسمى للمقاطعة ليس مصلحة شخصية أو مكسبًا نفعيًا، بل تصحيح الواقع العام. ومع ذلك، يستبعد كثير من المقاطعين تحقق هذا السيناريو في المدى القريب، بالنظر إلى تمسك الطبقة السياسية بنهجها الحالي واستمرارها في إدارة الأزمات بذات العقلية.

النتيجة الثانية – المستقبلية:

أما إذا استمرّ الوضع على حاله، وتواصل الانحدار في الأداء الحكومي والإداري، وجرى ما حذّر منه المقاطعون من تنازلات خطيرة في المبادئ والسيادة والانفتاح على أطراف طالما عُدّت خطًا أحمر، مع تفاقم الفساد والانهيار الاقتصادي، فستتحقق عندها نبوءة الرفض. حينها سيدرك المشاركون في العملية الانتخابية حجم الخطأ الذي وقعوا فيه، وتنمو لديهم قناعة أوسع بضرورة التغيير الجذري، وهي القناعة التي أسّس لها المقاطعون منذ البداية.

وبين هاتين النتيجتين، تترسّخ الفكرة الجوهرية لدى المقاطعين: أن مقاطعتهم ليست خسارة في أي حال، لأنها تُفضي إما إلى تصحيحٍ فوريٍّ للواقع، أو إلى ولادة وعيٍ جماعيٍّ جديدٍ يقود نحو الإصلاح الحقيقي في المستقبل.

فالمقاطعة – في فلسفة أصحابها – ليست مغامرة، بل رؤية استراتيجية تقول بثقة:

المقاطعة إما نجاح… أو نجاح.

انتهى

التصنيفات : مقالات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان