عيد في المقبرة ملحمة الحياة والموت

2023-04-22
111

و.ع.ح.ن(IHN) فراس الغضبان الحمداني
تبدأ الحياة للوهلة الأولى بخدعة كبيرة حيث الطموح وقوة الشباب والرغبة في القيام بكل شيء ، طموح وجموح وحماس للنجاح والإندفاع نحو المستقبل ومحاولة الخروج من واقع نعيشه إلى واقع جديد نبحث عن عمل عن صداقات عن سفر ومنافسة شرسة ورغبات لا تعد ولا تحصى حتى إذا مضت الأيام نكتشف إننا نعود لنفكر في الماضي الذي كنا نريد مغادرته إلى المستقبل ونشعر بحنين غريب وحزن رهيب يكسر عظامنا ويأخذنا في دوامة من الضياع والشعور إننا لم نعد موجودين في المكان الصحيح وأن الحياة مسيرة تنتهي ويجب أن تنتهي بالرحيل كما هو مقرر لها منذ الأزل البعيد وما نحن إلا أدوات لحكمة بالغة ليس لنا في مواجهتها من حول ولا قوة ولا سبيل للنجاة مما هو مقدر لنا وعلينا الإستسلام له والرضوخ من دون إعتراض .
‏تتزوج ثم تنجب أطفالاً تنظر حولك ، هناك أب يشيخ وأم تهرم يموتان ويذوبان في الذاكرة يبتعدان رويداً عن الذاكرة لا يبقى منهما شيء سوى الحنين الذي يتملكنا لبعض الكلمات والحوادث . تزوجت وتموت الزوجة بعد فترة نتيجة المرض رغم إنها في عز الشباب ، تتحول إلى قبر ، زوجتي الراحلة سهام رحلت بأجلها الموعود يختم المعزون بكلمة الفاتحة , ترزح روحي في غابة من الحزن والصدمة وتتساءل ماذا جرى وكيف ولماذا بهذه السرعة لماذا رحلت وتركت عصفورين صغيرين أنس ومصطفى بلا ريش وبأجنحة ضعيفة لا يقدران على الطيران والتحليق ولابد أن أكون قريباً منهما ، يكبران تكبر الهموم يتحول مصطفى إلى شاب يعيش القلق وذكريات الأم الراحلة ينسحب رويداً ويختبيء في فندق نجفي مطل على مقبرة وادي السلام يذهب هناك إلى القبر يحتضنه ويبكي يتوسل إليها لعلها تفتح له القبر ويدخل ويغفو إلى الأبد بحضنها لكنها لا تستجيب ، ولكنه اعتاد ان يحمل قنينة ماء الورد ورش الماء على القبر ويستمر في ترديد أمنياته للحاق بأمه .


‏يموت مصطفى يغادر الحياة فجأة ، أكتشفت أنني في صدمة ذلك الشاب الجميل الأنيق الذي كنت أعطيه المال ليشتري ما يحب يتحول إلى كفن أبيض على حافة قبر بيني وبين مفارقته إلى الأبد ، يوارى وينهال التراب عليه ، وأعود بحسراتي وكوابيسي وعدم قدرتي على النوم وأظل أعيش مع ذكرى مصطفى الأبدية متمنياً اللحاق به في فرصة قريبة لأجتمع معهما مع الزوجة والإبن في ثالوث رحيل مقدس ، وبينما أنا في دوامة الحزن تصلني أخبار أخي كاميران الذي غادر العراق بحثاً عن عالم مختلف ليعيش بعيداً عن الوطن ولكن الألم يداهمه في ألمانيا وبينما هو يحلم بذكريات بغداد ، يعتريه المرض ويعيش في منفى المستشفى بإنتظار الرحيل الأبدي ، ويموت كاميران لنتلقى العزاء ، اليوم وصل الجثمان في أول أيام عيد الفطر لندفن كاميران إلى جوار أمه وأبيه ، ويسلبني القبر الذي كنت أظنه لي لكن لا بأس فكاميران أخي . وبالقرب منه يرقد إبني مصطفى إلى جوار أمه ، ملحمة الحياة التي بدأت بأمل وإنتهت بقبر تجبرني أن أنتظر الرحيل الأخير لألحق بالأحبة الذين تركوني وحيداً .

التصنيفات : آراء حرة | مقالات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان