العلاقة الدلالية بين زيادة المبنى وأثرها في زيادة المعنى في المقاصد القرآنية

2024-06-21
39

بقلم: عمار عليوي الفلاحي

بالرغمِ من تقادم الأزمنة، وما خلفهُ التقادم من فناء للإمم مع لغاتها كاللّغة الهيروغليفية، والمسماريّة، وكثير من اللغات التي تعددت بتعدد أقوامها ولم يتبقَ منها إلا النقوش التي حُفِرَت واحتفظت بها ثمةُ جدران، ولائحات تأريخية.. وأزاء هذا الإندثار الطبيعي الذي تفرضه معطيات القِدم؛ تتسامى اللغة العربية _خلود وتجدد_ لأنها _لغة القرآن الكريم _؛ فهي تُعتبر ضرورة من ضرورات التواصل الدِّيني  للمسلمين، على إختلافِ ألسنتهم، كقراءة القرآن، وأداء الصلوات الواجبة، والأدعية..

إن جميع الفاظ القرآن الكريم لها مدلولات تبرهن على معانٍ بليغة، و مقاصد بديعة، مما يؤكد انَ _القرآن الكريم _مُنَزَّه، عن أن يرد فيه لفظ خالٍ من المعنى، وما جاء بصدده المقال هو _زيادة المبنى وأثرها في زيادة المعنى _  والتي تكون من خلال إلحاق اللفظة الأصلية أحرفًا مزيدةً، بغية توليد معاني جديدة، أو بالعكس، حيث أن لكل صيغة صرفية دلالة صرفية معينة كأن يدل “الفعل المضارع _يلعب _بصيغته الصرفية على زمن الحال الإستقبال وهي من اللطائف البديعة في المقاصدِ القرآنية المباركة.

من مصاديق تأثير المعنى بزيادة المبنى هو ماجاء في قوله تعالى” فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا ٩٧ مريم
والمراد من قوله تعالى” فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ ” اي يصعدوه ومعنى”  وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا ” مراد به يثقبوه، والضمائر في السياق القرآني تعود للسد الذي صنعه ذو القرنين من الحديد والنحاس، ولأن الصعود أسهل وأكثر صعوبة من الثقب اقتطع التاء من الفعل _اسطاعوا_ ولما كان الثقب صعب وثقيل  ويتطلب جهد ووقت؛ ثقّل الفعل بالتاء فكان _استطاعوا_ ومن أمثلته أيضًا ماذهب اليه ابن جنّي. مؤكدًا على تناسب او اقتران قوة المعنى بزيادة حروف _المبنى_ قوله تعالى كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ ٤٢ القمر، حيث أن مقتدر عند ابن جني ابلغ من قادر، والحال ذاته في الفرق، بين _ولا تَفَرَّقُواْۚ ، و بين، وَلَا تَتَفَرَّقُواْ  في الآيات المباركة
“وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ”  ١٠٣ ال عمران وقوله تعالى
 ۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ  ١٣ الشورى.
فالأفعال تدل على النهي من  الفرقة.. وكلاهما مجزومان بأداة الجزم لا الناهية، وعلامة جزمهما _حذف النون لأنهما من الأفعال الخمسة _ لكن الفعل الأول جاء بتاء أصلية واحدة من بينية الكلمة ليدل على إن الخطاب كان موجه لإمة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم _ و هي جزء من الأمم الذي ذكرت في أية الشورى لذلك ضُعِف فعل النهي في الشورى دليل الكثرة فلما زاد في المعنى أحتاج ان يكثر من المبنى..

لم تختزل غرائبية، وبديع ماتقدم من لمسات بيّانية في إضافة وإقتطاع الحرف، ومايحدث من تغير وتأثير في المعنى فحسب، بل الأمر في السياق القرآني أعجب من ذلك، فأحيانًا يتغير المعنى المرّاد بتغيرِ، هيئة الحرف نفسه، ففي المحاورة التي دارت بين الرجلان صاحب الجُنّة، وصاحبه عندما إستخف به بسبب له جنتان ونفر اي اولاد، فعندما كان صاحبان جاء كلمة صاحبه بالألف المقصورة كما في قوله تعالى وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ (لِصَٰحِبِهِۦ) وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا (٣٤ الكهف) ولما كان لايُعرف ماسيقوله المحاور جاءت لفظه صاحبه بهذا الشكل”لِصَٰحِبِهِۦ” لتدلل على الترابط فيما بينهما.. لكن عندنا إتضح من المحاوره الإستخفاف والتباهي، والغرور على ما أنعم الله، كما في نص المحاورة في الآية الكريمة قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا( ٣٧ الكهف) فجاءت لفظة “صَاحِبُهُۥ” بهذا الشكل وذلك ليبين القرآن الكريم أنهما افترقا وان الود، والترابط لم يعد مثله لكنه اختصر كل ذلك بتغير هيئة الحرف، دونما الاختصار على المعنى او تشويه المراد.

لم يجد النُقاد، ولا الباحثون في كل اللغات وبغض النظر عن دوافع البحث، هنالك لغة استطاعت؛ أن تبين مفاهيم، ودلالات من خلال إضافة حرف أو حذفه دونما تتأثر بنية الكلمة، بل الأمر أدق إن، المقصود في السياق القرآني قد يعطي معاني كثيرة، ولمسات بيانية من خلال التغير فقط في هيئة الحرف، كما ذُكر آنفًا في سورة الكهف، وهذا ما يؤكد خلود لغة القرآن وسموها على كل اللغات من خلال إعجازها البياني، الذي هو يعتبر أقوى وجوه الإعجاز القراني.

التصنيفات : آراء حرة | مقالات
استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والاعلان